حزب المجتمع بامتياز

 د. عادل بشاره

 

ان مسألة اي حزب اراده سعاده مرتبطاً بشكل مباشر بالوضعية القومية في المجتمع من جهة، وبالوضعية الحزبية القائمة في سورية من جهة اخرى، فعندما عاد سعاده من البرازيل عام 1930 تسائل: هل يمكن للاحزاب والقوى الساسية القائمة في كيانات الامة ان تكون رافعة للممارسة القومية الصحيحة؟ وهل يمكنها ان تنمي ثقافة جديدة مبنية على الآخاء قومي؟ بل هل يمكنها ان تقدم نموذجا ديموقراطيا يوفر المستلزمات الاساسية للنهوض بالمجتمع السوري الى مرتبة الامم الحية؟ فكان الجواب بالنفي. وبعد ان اكتشف عمق الارتباك الذي كانت (وما زالت) الاحزاب  السورية تعيشه نتيجة للمأزق القومي السائد في الامة، رأى سعادة أن البعث القومي غير ممكن عملياً خارج نطاق مؤسسة تدرك جوهره عملياً وتفهم ميدانه الخاص. وقد تكون هذه المؤسسة موجودةً فعلاً في بعض المجتمعات، أما في المجتمعات المتخلفة فلا بد من إيجادها. فالمؤسسات السورية مثلاً، كانت قديمة وتفتقر للكفاءة وتنشط خارج نطاق الوعي القومي ومحصورة في وضع هامشي يعتمد أساساً على العشيرة أو الطائفة أو العائلة. وحتى في عصر التغيير السريع، فشلت في إبداء أي سلوك ثوروي، وتراجعت إلى نشاطات آنية.

الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي تأسس عام 1932، كان رد سعادة على هذا الافتقار للمؤسسات. فالحزب جسد نضج الحركة الثوروية التي أخذت تتجاوز المطالب المحدودة والمتضاربة للجماعات المختلفة. وذلك بجعله البعث القومي الذي يسمو على المستوى السياسي القائم والتفكير الضيق هدفه الاساسي والاول. ولقد ، استلزم هذا التجسيد بالاضافة الى ضرورة تجاوز السياسات الطائفية المتحجرة الانتقال من الواقع الموضوعي للفتور السياسي إلى الذاتية الثوروية, وتحولٌ جزريٌ في المفاهيم: من "المفهوم الفردي" الخصوصي إلى "المفهوم القومي"، بحيث ترفع المسائل المثارة إلى نقطة تصبح فيها المصلحة القومية هي الأساس لكل تصرف أو سلوك سياسي. كان الحزب هو القوة التي أمل سعادة أن تحقق هذا الهدف. ففي الوقت الذي شجعت فيه المؤسسات القائمة نظرة خصوصية ضيقة قادت، في الغالب، إلى التركيز على المصالح الفئوية، كان الحزب السوري القومي الاجتماعي حركة تعبر عن رفضها للنظام من منطلقات قومية.

وبالفعل، ما ميز الحزب السوري القومي الاجتماعي عن الأحزاب والتنظيمات السياسية القائمة في سورية، هو توكيده على "الكليات" وليس "الخصوصيات". تملكته رغبة جامحة في البقاء دوماً كطليعة حقيقية للقضايا القومية، بدل التلهي بالمشكلات والحلول الطارئة. فالموضوع الحيوي بالنسبة لسعادة لم يكن استبدال نظام سياسي بآخر، أو المسارعة لإيجاد نظام جديد يمكن أن ينتجه المجتمع وهو في وضعه الحالي. الموضوع لسعادة هو تغيير كامل حياة الأمة التي توقف تقدمها منذ وقت طويل، وتقلصت الإمكانية الموضوعية لتحركها باتجاهات جديدة، وذوت حتى التلاشي تقريباً.

  ثانياً: سعاده اراد حزباً يعبر عن حياة جديدة بقيمها ومناقبها الخاصة – حزباً يسعى ليس فقط لتدمير المعاني والمعايير القديمة في الحياة اليومية، بل ايضا لبناء قيم ٍأخرى جديدة مكانها. وهذا الحزب، لكي يقوم بمهامه على اتم صورة، عليه أن يهدف إلى تطوير نفسه بحيث يتمكن من إعطاء التعبير المؤسساتي السليم عن النظام السياسي الجديد الذي يسعى لإقامته. لذا قال: "القصد الأساسي في الحزب السوري القومي الاجتماعي هو توحيد اتجاه الأمة الموجودة مصغرة في الحزب. وإذا قلنا أن الأمة هي الحزب السوري القومي الاجتماعي وأن الحزب السوري القومي الاجتماعي هو الأمة، لم نقل إلا الحقيقة الحرفية المجردة، لأن الأمة هي هيئة تحقق فيها الوعي وحصلت النظرة الفاهمة الواضحة الصريحة إلى الحياة والكون والفن".

كانت فرضية سعادة الرئيسية هي أن التحول الفردي في السلوك والأساليب، يجب أن يبدأ من إدراك أن البعث القومي، وخاصة في بداياته، هو مسار عقائدي قبل كل شيء آخر. ولهذا السبب، دعا القوميين الاجتماعيين إلى مناقشة المواطنين عقائدياً بدلاً من الخوض في السياسة، وكإجراء معاكس للوضع السياسي القائم. وهجومه هذا على السياسة نجم من الارتياب العميق بالأساليب السائدة والاتجاه القائم، فقد كانت مجردة من القيم وتقوم على الدهاء والهرطقة: "السياسة التي تسخر من آمال الشعب ورغباته وتحتقر الأمة". وكتعبير حقيقي عن النهضة، كان على الحزب ان يترفع عن هذا النوع من السياسة لأن "كل خطة سياسية وكل خطة حربية مهما كانت بديعة ومهما كانت كاملة لا يمكن تحقيقها إلا بأخلاق قادرة على حمل تلك الخطة."

ثالثا: الحزب الذي اراده سعاده هو الحزب القائم على الوعي والمعرفة بدلا من الحدس والاعتباطية. وعمل كهذا يستلزم إنشاء بنى جديدة في مجال الوجود اليومي للمجتمع تكون الغاية منها غرس الوعي القومي في الشعب، وطرح التحدي لكل قيود النظام القائم. هنا، تصور سعادة تفاعلاً جدلياً بين الحزب والمواطنين: الحزب ينشر في المجتمع وعياً قومياً ثوروياً، ويتلقى بالمقابل دعماً مادياً ومعنوياً هو بحاجة إليه. لذا، يقف الحزب السوري القومي الاجتماعي بين النخبوية (بالمعنى المعتدل للكلمة لا المتطرف التي تعني وجود نواة سياسية "منفصلة تمامً عن محيطها، مع احتفاظ نواة صغيرة من هذه النخبة بكل المبادرات) والجماهيرية التي تعتبر المشاركة الشعبية الأداة الحقيقية للتغيير الثوري.

رابعا, الحزب الذي اراده سعاده هو الحزب الحاضن لكل المجتمع وليس لفئة او لفئات منه. وهذا يعني حتما، انه لا يجوز تصنيف الحزب السوري القومي الاجتماعي بين اليسار واليمين لان هذين المصطلحين ينطبقان على الاحزاب السياسية العادية لا على الاحزاب القومية التي تعتمد المجتمع كله في عملها وفلاحها. من هنا نفهم  قول سعاده: " إن الحزب السوري القومي الاجتماعي لأكثر كثيراً من جمعية تضمّ عدداً من الأعضاء أو حلقة وجدت لفئة من الناس أو من الشباب. إنه فكرة وحركة تتناولان حياة أمة بأسرها." الحزب السوري القومي الاجتماعي, اذا, هو للجميع – لكل المجتمع – وليس لفئة منه يسارية كانت ام يمينية.