حزب الاخلاق والمناقب
جان دايه
ثمة مبادئ أساسية وإصلاحية أخرى كتب عنها سعادة ومارسها، ولكنه لم يصنَّفها في باب المبادئ الذي يحتل صالون دستور حزبه. ولو كنت من مدرسة الإثارة الرقمية أو العددية، لقلت إنها أيضا ثمانية اساسية وخمسة إصلاحية وبإعتبار أن بعض المشاركين في ملف العدد سيجيبون من خلال المبادئ المنصوص عنها في الدستور، فقد رأيت أن أجيب على السؤال ( اي حزب أراد سعادة؟) إنطلاقا من المبادئ غير المصنفة التي نوهت بها سابقاً.
ولكن السؤال يستدعي جوابا بحجم المارد. في حين أن رئاسة التحرير غير مستعدة لإستقبال المارد إلا في قمقم لايتعدى حجمة الصفحتين، نظراً لكثرة الأجوبة وقلِّة الصفحات. لذلك، أكتفي بالإضاءة السريعة على ثلاثة مبادئ غير مصنَّفة، إثنتين منها أساسيتين، والثالث إصلاحي.
المبدأ الأول، أو مبدأ المبادئ، يقضى أن تترافق الأخلاق والمناقب مع كل خطوة يقوم بها كل عضو أو مسؤول في الحزب سواء كان الهدف شخصيا أو عاما، عائليا أو حزبيا. من هنا سرُّ توقف سعادة الطويل، في محاضرته العاشرة عند المناقبية والعقلية الأخلاقية الجديدة، ليؤكد أن كل المبادئ الأساسية والإصلاحية التي شرحها في المحاضرات التسع، لامعنى لها، إذا كانت لم تكن الأخلاق والمناقب وجهين لعملة واحدة. ومن هنا أيضا سرُّ محورته خطاب 1938 ، الذي لايقل أهمية وخطورة عن خطاب التأسيس (1935) ، على الأخلاق والمناقب ومسارعته وضع حد لكل تصرف غير أخلاقي أو مناقبي، طيلة ال17 سنة التي فصلت بين التأسيس (1932) والإستشهاد (1949) ، ومهما علت "مكانة" المرتكب في الحزب والأمة. وبالطبع، كان سعادة قدوة في ممارسة مادعا إليه. لذلك أكرر ما إقترحته في جريدة " الديار" وفي كتابي "حياتي الحزبية" ، وهو أن يضاف مبدأ أساسي تاسع إلى المبادئ الأساسية الثمانية.
المبدأ الأساسي الثاني الذي دعا إلية سعادة إعضاء ومسؤولي حزبه إليه من غير أن يصنفه، ومارسه كما لم يفعل أي زعيم لأي حزب في سورية الطبيعية، يمكن تلخيصة بكلمة واحده: الثقافة، أو بأربع كلمات : "المجتمع معرفة والمعرفة قوة" . ولكي يكون المثقف، وبخاصة الفنان والكاتب، مبدعاً ومجدداً وفّر سعاده له مفتاح الحداثة عبرالنظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفن، التي رسم معالمها في كتابه "الصراع الفكري في الادب السوري" وكان من ثمرات المناخ الثقافي الفريد في سورية، إستقطاب الحركة القومية الإجتماعية لعدد كبير من الكتَّاب والفنانين المبدعين أمثال الرسَّامَيْن صليبا الدويهي ومصطفى فروخ، والنحات يوسف الحويَّك والشاعرين صلاح لبكي وسعيد عقل والموسيقيين توفيق الباشا وذكي ناصيف، والأديب سعيد تقي الدين. إضافة إلى تخرُّج عدد مماثل من المبدعين من "اكادمية" سعادة، ومنهم فؤاد سليمان وعجاج المهتار وهشام شرابي ونذير العظمة وإيليا أبو شديد وخليل حاوي ووليم صعب وأدونيس ومحمد يوسف حمود.
وبالمقابل، حذَّر سعادة من تهافت مسؤولي الحزب وأعضائه على السياسة، وتسابقهم على خوض الإنتخابات النيابية، خصوصا في الكيان اللبناني. فقد اراد سعادة أن يكون هدف حزبه تحقيق نهضة شاملة في الأمة. لذلك فتح للسياسة ورشه واحدة وللإنتخابات وُريشة، إلى جانب جانب عشرات الورش الإجتماعية والقومية. وسمح في هذا المبدأ الإصلاحي السادس، إذا صح التعبير لقلة متخصصة في الحزب، الخوض في السياسة والديبلوماسية وكان قدوة في تحذيره أعضاء حزبة من لوثة المعارك النيابية إذ إنه لم يترشَّح في أية دورة إنتخابية من التي جرت في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، مع إنه كان في الوطن وسمح لبعض القوميين في خوضها.
يشرح سعادة هذا المبداء في جزء من المحاضرة العاشرة فيقول: "إننا لسنا مجرد حزب سياسي. والحزب السياسي هو الذي يجمع فئة من الناس على مصالح تتحد بنطاق تلك الفئة لتناوئ أخرى ضمن البلاد، وتتغلب عليها، وتصل إلى الحكم من أجل تحقيق تلك المصالح المختصة بتلك الفئة". وأضاف منتقلاً بتحديد حزبه من المواصفات التي تقتصر على جانب منه، إلى التي تشمل كل الجوانب وبخاصة الاساسية والجوهرية: " نحن حزب يتناول ماهو أبعد كثيراً من مصالح فئة حزئية محدودة في الوطن والأمة. نحن حزب يتناول حياة الأمة كلها بمجموعها، يتناول الحياة القومية من أساسها والمقاصد للحياة القومية كلها ، وليس لجزء واحد منها".
ولما كان التهافت على السياسة وبخاصة الإنتخابات النيابية، ملحوظاً في لبنان أكثر من غيره من كيانات الأمة السياسة، قال سعادة : " نحن مثلا هنا في لبنان لانريد أن ننزل الأشخاص القائمين في الحكم لنقعد مكانهم أو ليقعد مكانهم آخرون. ومع أننا كنا في حرب مع الحكومة في الصيف الماضي (1947) ، وبعد الإنتخابات في إبان المصادمات بين فئات من الشعب والحكومة، لم أقبل قط أن نندمج فيما سمّْيَ معارضات للحكومة، لأننا وجدنا تلك المعارضات جزئية لاتختلف طبيعتها وجوهرها عن الفئة الحاكمة مثلا. أي إننا لم نكن ننتظر أنه إذا نزل رياض الصلح وقام مكانه عبد الحميد كرامة تغير الأحوال والبلاد والأوضاع السياسة".
ولم تكن صدفة أن تتناول محاضرته العاشرة الأخلاق والمناقب من جهة والسياسة والإنتخابات من جهة ثانية. ذلك أن سعادة رأى التهافت على النيابة ممارسة لاأخلاقية : "يتجه الفرد الذكي في بلادنا أول مايتجه إلى ناحية السياسة. نحن أكثر أمة في العالم إشتغالاً في السياسة والسياسة هي أساس العقلية الأخلاقية القديمة في هذه البلاد". طبعاً لايقصد سعادة السياسة التي هي فن الوصول إلى الأهداف العامة الكبرى لذلك سارع إلى إيضاح مايقصد، بقوله: "تكاد لاتخاطب واحداً ذكياً في هذه البلاد إلا وتحسَّ أنه يخاطبك بمهارة سياسية فائقة تحسَّ كأنه ديفلماسي جاء من بلاد الإنكليز. وتحسَّ أن السياسة تبعده عنك بقدر ماهو بعيد الإنكليزي عنك". ولعل خير دليل على صحة كلام سعادة عن اللبناني الذي يتكلم في السياسة ويمارسها أكثر من ممارسته
لمهنته وكلامه عنها ، ما يكتبه الصحافيون ويرد المواطنون من آيات الإعجاب بكميل شمعون، رغم أن الفساد كان شاملاً كل مرافق الدولة اللبنانية خلال ترؤسه للجمهورية بين 1952 و 1958 ، وأنه " دخل القصر الجمهوري طفراناً وخرج منه مليونيراً على حد ماقاله لي الصحافي المميز ميشال أبو جودة".
وختم سعادة كلامه الذي نسيه أو تناساه العديد من المؤمنين بعقيدته والمنتمين لحزبه، محددأ هذا المبدأ على النحو الحزبي التالي: " السياسة يجب أن تترك للمختصين في السياسة. أما القومي فيجب أن يكون قوميأ صحيحاً مجردا من السياسة في كل مجتمع وفي كل حديث مع كل مواطن من أمته" . ولكنه حذر القوميين الاجتماعيين من القبول بأي انحراف عقائدي-سياسي تقوم به السلطات العليا من خلال المساومات السياسية الغرارة بحكم النظام والانضاط.
لذلك ، حين وجد سعادة في أحد أعضاء الحزب فخري معلوف ثقافة عالية، لم يطلب منه العمل في الحقل السياسي والإستعداد لخوض الإنتخابات النيابية، بل كلَّفه بتأسيس " الندوة الثقافية" وترؤسها. ومن الراهن، أن إدارة معلوف للندوة وشرحه لنشؤ الأمم في أولى جلسات عام 1939، كانا مفيدين للحركة القومية الإجتماعية، وأكثر بما لايقارن من دخول عدة نواب قوميين إجتماعيين البرلمان اللبناني أو أي برلمان لأي كيان سياسي من كيانات الوطن السوري. ولنا من النتائج خير دليل.
إن الإنتقال من ورشة الثقافة إلى وريشة السياسة في حركة سعادة، لم يقتصر على المرشحين للنيابة أو البلدية أو المختريات بل هو شمل أيضاً بعض المسؤولين التنفيذيين في المنفذيات والمديريات وعلى سبيل المثال، فقد حضرت مرة مهرجانا حزبياً مركزياً، كان من المتكلمين فيه قيدوم الخطباء الدكتور عبدالله سعادة، الذي كان رئيساً للحزب، ومدير المديرية حيث أقيم المهرجان في حيِّزها الجغرافي وقد تناول فيها الإنتخابات والسياسة السورية والعربية والعالمية، من غير أن ينطق بكلمة واحدة عن عقيدة سعادة عند الإحتفال، سألني رئيس الحزب عن رأيي بكلمة المدير وملامح عدم رضاه عنها بادية على وجهه ونبرة سؤاله . واجبته بإقتراح لايخلو من السخرية: أتمنى لو تقيله من المديرية وتعيِّنه رئيساً للمكتب السياسي.