المحبة القومية تبني والحقد يدمر

إحسان الجمل

 

 

القومية الإجتماعية بشمولية نظرتها الجديدة إلى الحياة والكون والفن وبفرادتها تشكل الحل الواقعي والحقيقي لكل ماتعاني منه المجتمعات الإنسانية في مجمل أوطانها، وفيما بين الشعوب المتصارعة.

والقومية الإجتماعية في إطارها السوري تعبِّرعن واقع المجتمع السوري وحقيقته، وعن قيمه العليا التي هي: "الحق والخير و الجمال والواجب والنظام و...... والحب". 

فالمحبة – الحب إذاً قيمة أساسية من قيم الحياة السورية التي كان للمجتمع السوري شرف إنتاجها ونشرها في عالمها العربي وفي مجمل العوالم الأخرى.  لقد كانت المحبة القاسم المشترك البارز في نتاج كبار المفكرين السوريين منذ فجر التاريخ، ويكفي الأمة فخرا في هذا المجال ماأعطاه السيد المسيح للعالم أجمع منذ مايزيد على الألفي سنه.

ويبقى سعادة بعقيدته القومية الإجتماعية وإنطلاقاً من كونه المعبر الأوفى عن حقيقة الأمة السورية، يبقى المعبر الأوفي عن حقيقة المحبة القومية الإجتماعية المتأصلة في ذواتنا.  فلم تعد المحبة معه فعل تواصل متين بين أبناء المجتمع الواحد، وبينهم وبين المجتمعات الأخرى فحسب، بل غدت فعل تضحية بالذات الفردية من أجل حياة المجتمع، غدت فعل الفداء الأروع في سبيل عزَّة حياة المجتمع، ومن هنا قول سعادة " إننا نحب الحياة لأننا نحب الحرية، ونحب الموت متى كان الموت طريقاً إلى الحياة".  فالمحبة القومية الإجتماعية إذاً تهدف إلى تعميق الوحدة الروحية في المجتمع السوري الواحد، وتجذيرها في نفوس المعبرين عنه – السوريين  القوميين الإجتماعيين-  ليكونوا التعبير الحقيقي عن وحدة الحياة في مجتمعهم.  بتفعيل المحبة القومية في النفوس ينتفي وجود المثالب التي تتعارض مع سمو هذه القيمة، كالحقد والكراهية والثأر وما إلى ذلك. حتى إننا ونحن نقاتل العدو إنما نقاتله بدافع محبتنا لأرضنا وشعبنا، حتى إننا ونحن نواجه مشوهي عقيدتنا ولاطمينا من مواطنيا فإنما نواجههم بما تعمر به نفوسنا من حب لحزبنا وعقيدتنا وحياتنا دون أن نترك لهم مجالاً لخرق منعة العقيدة والحزب.

إن الوحدة الروحية المبنية على المحبة القومية الإجتماعية هي التي تعطي للوطن والشعب منعته،  وتعلي من مستوى قدرة الشعب على لجم كل مامن شأنه أن يعرقل فعل البناء النهضوي المكين. (وحدة الروح في خطاب سعادة أول آذار 1948 – إنها وحدة الروح ووحدة الروح هي شخصية الأمة الحية، فإذا قلنا إننا أصبحنا أمة حية، نقول ذلك لأنه قد أصبحت لنا وحدة الروح. )

فمع وحدة الروح الأصيلة والواعية والهادفة يمكننا أن نتقدم بقيادة المعلم الفادي سعادة.

فالعقيدة القومية الإجتماعية إذاً ليست تجريدا فكريا أو تنظيرأ فلسفيا بعيداً عن الواقع الإجتماعي الإنساني. إنها ليست كلاما جميلاً مسطوراً على الورق نتباهي بمعرفته ونتشوف بالتفذلك به. إن العقيدة القومية الإجتماعية مبادئ حياة إجتماعية حقوقية أخلاقية. وقيم وفضائل مجتمعية لنحياها ونمارسها بكل تفاصيل حياتنا الفردية والإجتماعية والسياسية. بدءاً، من الفرد القومي الإجتماعي إلى الحزب كمؤسسة وقرار وصولاً إلى تعيميها وترسيخها في المجتمع بتعاقب أجياله.

يقول المعلم: ( إن غاية الحزب السوري القومي الإجتماعي هي قضية شاملة تناول الحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والروحية والمناقيبة وأغراض الحياة الكبرى، فهي تحيط بالمثل العليا القومية وبالغرض من الإستقلال وبإنشاء مجتمع قومي صحيح. وينطوي تحت ذلك تأسيس  -عقلية أخلاقية جديدة ووضع أساس مناقبي جديد-  وهي ماتشمل عليه مبادئ الحزب السوري القومي الإجتماعي الأساسية والإصلاحية ....)

ويقول: ( إن من أهم مسائل النهوض القومي بعد تأسيس فكرة الأمة وبعد تعيين المقاصد الكبرى هي مسألة الأخلاق، مسألة العقلية الأخلاقية هي مسألة الروحية الحقة التي يمكن أن تفعل في الجماعة في المجتمع ) .  وأيضا يقول: ( كل نظام يحتاج إلى الأخلاق بل إن الأخلاق هي في صميم كل نظام يمكن أن يكتب له أن يبقى. )

إن هذه الأسس التي تقوم عليها عقيدتنا لاتنفصل عن بعضها بعضها فلا يمكن أن توجد إحداها من دون الأخرى فمتى إنفصلت إحدى هذه الأسس عن الأخريات كانت العاقبة الوخيمة وكان الضياع والتلاشي والهزيمة.

إننا بهذه المبادئ العظيمة القائمة على الأخلاق والفضائل لابل المتماهية معها نبداء بفعل البناء في مجتمعنا،  لنحطم كل الحواجز النفسية والمتاريس المصطنعة التي مزقت أبناء الشعب الواحد وحولته إلى فئات غرائزية متناحرة متنافرة، لنعيده إلى حقيقته مجتمعاً متجانساً متوحداً – امةً حيةً.

فإذا كان الوقود المحرك أو المحرض لباقي الأحزاب والجماعات العاملة في ساحة الوطن هو الحقد الطبقي أو المخاوف الطائفية أو العصبيات القبلية أوالمصالح الفردية والخصوصية ، فإن وقود النهضة هو المحبة القومية والتراحم الإجتماعي والعمل والتضحية حتى من أجل خصومنا الذين يحاربوننا للإنتصار بهم وتحقيق الأفضل للمجتمع بشموليته وسلاحنا هو: المعرفة والمحبة القومية . يقول المعلم: ( هم يحاربونا لينتصروا علينا أما نحن فنحاربهم لننتصر بهم ).

لكن لو أجلنا النظر في واقعنا الحزبي هل نجد أن هذه الروحية الموحدة منتصرة فينا وفاعلة بيننا ؟. الجواب هو وبكل أسف كلا.

ولكن للإنصاف نعترف بأننا نجد هذه الروحية الجميلة منتصرة في كثيرين من الأفراد المتألمين لهذا الواقع المزري، ولكننا لانجدها  في المؤسسة الحزبية التي  لا تحمل من الحقيقة إلاَّ الإسم. فالممارسة لاتتوافق أبداً مع حقيقة العقيدة وطبيعة الحزب.

إن مانجده هو عديد من التجمعات المتمحورة حول أشخاص أو مطالب إنبثقت كردة فعل على فساد أو إنحراف من كان بيده القرار يوماً.  وهكذا بدلاً من أن تفعل إمكانيات القوميين أفراداً ومؤسسات  في عملية البناء والإنتاج في المجتمع أصبحت الطاقات تهدر في الصراع الداخلي والتراشق ونسينا المجتمع وحاجاته الذي إبتعد عنا بدوره.  والمحزن أننا نرى بعض الأقلام الخبيثة التي تعتاش على إثارة الفتن وتأجيج الصراعات وتعيمق الخلافات فتزيد من إبعاد القوميين الإجتماعيين عن أتجاههم الصحيح وهدفهم الواضح خدمة لمصالحها الفردية والفئوية.

( ويجب أن نوضح بأننا لاندعو هنا للتغاضي عن الأخطاء والإنحرافات أو الجرائم التي قام بها أفراد، لابل إننا من أشد الداعين إلى تسليط سيف القانون والمحاسبة على المرتكبين الذين عاثوا في الحزب فساداً وإفساداً وإستغلالاً. ونعرف بأنهم لايستطيعون أن يستمروا في غيَّهم وفسادهم وفي تحقيق مصالحهم الخاصة على حساب تضحيات القوميين وكرامتهم وقضيتهم إلا بوجود هكذا حالة من الشرذمة والإنحطاط الأخلاقي والميعان العقدي والنظامي، وإلا بوجود المؤسسات الضعيفة العاجزة عن إحقاق الحق وعن تطهير الحزب من الفاسدين والمنحرفين كما أراد سعادة ).

نحن نقول بأنه آن الأوان لأن يعود القوميون الإجتماعيون إلى قيمهم وتقاليدهم الأصيلة، وآن الأوان لأن يستعيد القوميون الإجتماعيون المبادرة والفعل البنَّاء في المجتمع في الإتجاه الصحيح بعيدا عن المساومات السياسية الرخيصة والغرارة التي ورطتهم فيها قيادات منحرفة ومنهزمة . لقد آن الأوان لأن  تسقط الحواجز التي رفعت بين القوميين الإجتماعيين، وآن الأوان أن تردم الخنادق التي تمترس بها بعض المتسلقين المنتفعين وجروا معهم من إستطاعوا جره من القوميين الإجتماعيين مستغلين طيبتهم أو ثقتهم أو ضعف وعيهم العقدي.  يجب أن تعود وحدة القوميين الإجتماعيين، ويجب أن يعود القوميون قوة جبارة ليكون فعلهم هو القضاء والقدر وليكونوا القوة الروحية  والنظامية التي ستغير وجه التاريخ في الشرق الأدنى كما إستشرفها سعادة.

فلتبنَ الجسور بين القوميين جميعا، وليتفاعل القوميون مع بعضهم دون تحفظ،  فنحن أبناء عقيدة واحدة ربطتنا برباط المحبة القومية الإجتماعية قبل كل شيء ، "وستكون هذه المجلة إحدى الوسائل التي يتفاعل بواسطتها القوميون الإجتماعيون بكل محبة وثقة وصدق ونبل في الهدف". عندما نصل إلى هكذا حالة صحيحة تصبح المراحل الأخرى تحصيلا حاصلا وأمراً حتمياً . عندما تنتصر العقيدة بقيمها وفضائلها وتقاليدها الأصيلة فينا يزهق الباطل الذي إنسل بيننا ويصبح غريبا بيننا ومستهجناً، وتسقط كلُّ الأوهام التي أوجدها في نفوس ضعيفة، وتلغَ كلُّ الأنفاق السوداء التي حفرها في غفلة عنا.

إننا نتساءل دوما بتعجب، أليس غريبا ومحيراً أن تتحالف بعض الفئات في الحزب مع تجمعات الطائفيين والفئويين والإقطاعيين لابل مع العملاء أعداء الأمة وقضيتها ولاتستطيع هذه الفئات  أن تلتقي مع بعضها بعضاً ...؟! أفي هذا سرٌ ياترى ؟؟؟!!! .

 نستطيع أن نعدد مئآت الأسباب ونحدد عشرات الأسماء المسؤولة والمدانة عن هذه الحالة التي وصلنا إليها . ولكن تبقى حقيقة واحدة لامفر من الإعتراف بها وهي :

إن فاقد الشئ لايعطيه

 ومن يريد أن يؤسس لنهضة أمته ووحدتها علية أن يبدأ  بنفسه أولا.