العلمانية قيمة إنسانية
غريغوار حداد
وقد كثر استعمال هذه الكلمة في بلادنا، لمحاربتها أو لاعتمادها في برامج سياسية مختلفة.
لذلك أصبحت العلمانية عندنا في خطر.
ولما كنت اعتبر العلمانية قيمة أساسية، أصبحت أخاف عليها من الذين يقصرون عن فهمها الحقيقي،
ولما كانت العلمانية، كباقي القيم الإنسانية- كالعدالة والمساواة والديمقراطية والمواطنة والحرية والتضامن... – تحتاج إلى تحديد متفق عليه، بعد التعمق في مفهومها، أصبح من الضروري أن يلتقي مؤيدوها ومحاربوها لحوار علمي هادئ، يصل إلى نتائج إيجابية يوافق عليها الجميع.
وقد بدأ فعلاً هذا الحوار منذ سنتين حول "تيار المجتمع المدني"، وتوسع منذ ثلاثة أشهر، فأخذ يشترك فيه أكثر من ثلاثين هيئة مدنية تعتبر ذاتها لا طائفية، إن لم تكن علمانية بمعناها الشامل تحت إسم "لقاء العلمانيين في لبنان" يضم هيآت وشخصيات.
وبدأ الإعداد لمؤتمر مفتوح لجميع من يرغب في الإشتراك، يعقد في آذار 2006.
وقد قدم "تيار المجتمع المدني" ورقة عمل للإسهام في بدء الحوار، يمكن اختصارها بما يلي:
العلمانية الشاملة هي نظرة شاملة للعالم تؤكد على استقلالية العالم ومكوناته وأبعاده وقيمه بالنسبة للدين ومكوناته وأبعاده وقيمه. وهي علاقة حياد إيجابي تجاه جميع الإديان والإديديولوجيات.
والإستقلالية الإيجابية هذه لا تعني إذًا إلحادًا ولا شكا ولا ابتعادًا تجاه الأديان، بل اعتبار كل جهة لها كيانها وقيمتها من دون رفض أو استيعاب.
والعلمانية شاملة لأنها تشتمل على:
- العلمانية الشخصية، التي تؤكد على قيمة كل إنسان بدون الرجوع إلى معتقده الديني،
- والعلمانية السياسية، التي تؤكد على استقلالية الممارسة السياسية عن الإنتماء الديني،
- والعلمانية الوظيفية، التي تؤكد على استقلالية الوظيفة الحكومية عن الإنتماء الطائفي،
- والعلمانية المجتمعية، وهي بالمعنى الحصري استقلالية المجتمع المدني، بأفراده وتجمعاته عن الطوائف، فلا تقبل بفدرالية طائفية.
- العلمانية المؤسسية، وهي استقلالية المؤسسات التربوية والصحية والإجتماعية الأخرى عن الطوائف ومجالسها وسلطاتها
- العلمانية القانونية، أي استقلالية قوانين البلاد عن الشرائع الدينية، بدون التناقض مع ما تعتبره الأديان جوهريًا.
- العلمانية القيمة، أي استقلالية القيم الإنسانية، كالعدالة والمساواة والديمقراطية والحرية... عن المصادر الدينية أو اللادينية.
أنا مؤمن بالله،
ومؤمن بالعلمانية الشاملة
مؤمن بالله ولذلك أنا علماني
ومؤمن بالعلمانية دعمًا لإيماني بالله.
وإيماني المسيحي على مسافة واحدة من جميع الإديان وأنا مقتنع بأنه كلما أصبح المسيحيون مؤمنين بالإنجيل حقًا، والمسلمون مؤمنين بالقرآن حقًا، كلما أصبحوا قادرين على تكوين وطن علماني حقًا.
لا شك أن مشاكل كل لبنان كثيرة جدًا، لا تختصر بالطائفية، وأن العلاج للمشاكل لا يختصر بالعلمانية، ولا سيما المشاكل الحياتية الإقتصادية والإجتماعية والصحية والبيئية. ولكن الطائفية تضيف على كل مشكلة تعقيدًا، لذلك يجب أن تصبح العلمانية صفة لكل حل لأي مشكلة.
النظام الطائفي هو أحد التهديدات الفعلية للإيمان. بينما النظام العلماني هو الحاضنة الإيجابية لحرية الأديان والمعتقدات.