
الأولويات: الاصلاح ومحاربة الفساد
النهب والفساد دمر السدود والبلاد
د. عبد اللطيف العش
إن ظاهرة الفساد تنتشر في جميع أنحاء العالم، ويتمثل أصحابها في النفوذ والمال. ويركز المؤشر المعتمد على الفساد في القطاع العام، إذ يستغل هذا القطاع لمكاسب خاصة عبر نهب منظم من قبل أصحاب النفوذ والسلطة في استغلال مناصبهم لتحرير الصفقات. وإذا كان للفساد جانبه الاجتماعي والثقافي فإن الأهمية تبدو عالية هنا في معرض القضاء على ظاهرة الفساد من زاوية معالجة القضايا الاجتماعية وإيلاء الجانب الثقافي الأهمية التي يستحقها.
فإن نشر ثقافة الحرص على المال العام والانتماء إلى الوطن وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة وتنمية الشعور بالمسؤولية تجاه الأسرة والمجتمع والوطن من شأنه أن يعزز التوجه نحو القضاء على الفساد وهذا يحتاج إلى مناخ سياسي و ديمقراطي يتغذى منه أفراد المجتمع وهذا المناخ له عناصره في مقدمتها الارتفاع في مستوى الخدمات الصحية والتعليمية والمعاشية المقدمة من قبل الدولة وتأتي بعد ذلك قضية أخرى لها علاقة وثيقة بمكافحة الفساد ألا وهي قوة الدولة وتماسكها ببرامجها وإرادتها في تحقيق العدل والمساواة بين المواطنين وتنفيذ القوانين وفرض النظام والانضباط في مؤسساتها وفي قدرتها على المساءلة والمحاسبة وهذا كله يحتاج إلى الشفافية الحقيقية من خلال إعلام صادق وصحافة نزيهة تحقق التواصل بين أفراد المجتمع.
إن إصلاح الإنسان من أصعب أنواع الإصلاح ويشمل الجوانب التربوية لديه وتعليمه الديمقراطية والحوار وشرط قبول الآخر بالإضافة إلى اقتناعه بأنه لا يملك الحقيقة المطلقة إن هذا الهدف الكبير والعظيم يستلزم توفير الشروط المادية لتحقيق الشخصية الإنسانية لمواطننا وتعزيز بناء الذات الوطنية القادرة والساعية إلى تهيئة أوطانها وشعوبها إلى التوجه السليم الذي يحافظ على التنوع الوطني ويؤمن بالتعددية السياسية والاقتصادية ويغني الحوار الوطني ويطور الفكر والايدولوجيا ليوفق بين الأصالة والحداثة وإعادة التواصل مع الماضي والانفتاح على الآخر وتجاربه الإنسانية وهذا يتطلب تحرير الإنسان من قيوده وإطلاق قدراته على التفكير والتأمل بصورة حرة دون إكراه بتحريره من ضغوطات الحياة المعاشية إذ لا فكر مع الجوع وإن أية عملية إصلاح يجب أن تكون غايتها الإنسان ومنطلقها الإنسان وهدفها الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة . وإن أي برنامج إصلاحي اقتصادي يحتاج إلى حامل إداري عصري ومرن وهذا بدوره يحتاج إلى إصلاح سياسي وقرار سياسي وإرادة سياسية وهذا يتطلب مناخاً سياسياً عاماً وإلى حياة سياسية متميزة عنوانها المشاركة الشعبية التي يحتاجها الوطن كل الوطن لأن الدين لله والوطن للجميع وإن انتشار حالات الفوضى وعدم الاستقرار وفقدان الأمن الاقتصادي وعدم توفر العدالة في توزيع الثروة الوطنية وسيادة فلسفة الخوف من الإشارة إلى مواطن النهب والفساد ونقص التشريعات والأنظمة والقوانين وضعف أدوات الرقابة والمحاسبة وانتشار سياسة الخوف والتخويف كل ذلك يشكل منافذ إضافية تسهل عملية انتشار الفساد.
إن ظاهرة الفساد في بلادنا قد انتشرت انتشاراً واسعاً حتى أصبح تلقي الرشوة أمراً عادياً وعرفاً سائداً ناهيك عن الطرق والقنوات التي تتعلق بقضايا التنمية والبناء والعقود والإدارة. إن انتشار ظاهرة الفساد واتساع دائرة ممارسيها يجعل التصدي لها مهمة وطنية من الدرجة الأولى يجب أن يضطلع بها أبناء الوطن جميعاً بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والعرقية والدينية إن استئصال ظاهرة الفساد في بلادنا تحتاج إلى مناخات ديمقراطية ورقابة شعبية وتوفير الحرية للمواطن لتتكون لديه الجرأة والصراحة في الإشارة إلى مواطن الفساد وهنا يجب أن تضطلع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية بدورها الوطني ليس في كشف مواطن الفساد فحسب بل في فضح الفاسدين والمفسدين وتعريتهم وفضحهم والتشهير بهم حتى يسقطوا اجتماعياً ويجب مساءلة الفاسدين الذين نهبوا البلاد في المراحل السابقة ومحاسبتهم لاسترجاع مال الشعب من أرصدتهم .
واليوم تنصب أمام المجتمع الشامي مهمة وطنية كبرى ألا وهي مكافحة الفساد وسيتوقف على كيفية حل هذه المهمة مصير البلاد وطنياً واجتماعياً واقتصادياً لأنه أصبح من المستحيل حل أية قضية وطنية دون اجتثاث الفساد من جذوره حيث يبين تطور الأوضاع في بلادنا أن هناك حالة استعصاء شاملة في المجال الاقتصادي والاجتماعي والديمقراطي أدت عملياً إلى مراوحة وجمود في مواجهة جميع القضايا الأساسية التي تواجه المجتمع والاقتصاد الوطني من موضوع معالجة البطالة إلى موضوع تدني مستوى معيشة التي تراجعت رغم زيادات الأجور بسبب ارتفاع الأسعار إلى موضوع انخفاض الاستثمارات في الاقتصاد الوطني وصولاً إلى ملف الحياة السياسية في البلاد المتعلق بالحريات السياسية وقانون الأحزاب وقانون الانتخابات كل هذه القضايا يقف النهب والفساد حاجزاً منيعاً في طريق حلها وقد أدى ذلك إلى حالة تعب ويأس اجتماعي مع ما يحمله ذلك من خطر إبعاد الجماهير الشعبية عن ساحات الفعل السياسي الحقيقي وواضح أن قوى الفساد التي تقوم بنهب الاقتصاد الوطني ليس لها أية مصلحة في تحقيق أي تقدم على أي جبهة من جبهات القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إن محاربة الفاسد تتطلب الانفتاح على قوى المجتمع عبر توسيع الحريات السياسية وإطلاق حرية الإعلام بعيداً عن تسلط قوى المال ووصاية أجهزة الدولة. لقد كان الفساد ومازال نتيجة لعملية النهب الكبيرة التي تعرض لها الشعب السوري والدولة معاً خلال الفترة الطويلة الماضية والتي أنتجت طبقة طفيلية منشغلة بحساباتها البنكية بعيداً عن قضايا الوطن وهموم الشعب والأمة لذلك فإن إيقاف النهب يعني ضرب الفساد هذه الآفة المرتبطة بتطور الرأسمالية العالمية التي قامت بعولمة الفساد كي يصبح إحدى آليات الاختراق والنهب والانتهاك والسيطرة على مقدرات الشعب إن لدى سورية فرصة تاريخية فريدة إذا تظافرت جهود القوى الوطنية للوقوف بوجه مخاطر قوى النهب والفساد وهذا يتطلب صياغة دور جديد للدولة حيث تؤكد الحياة أن الدور القديم للدولة في سورية / الدولة الأمنية / أصبح غير قادر على حل أية مهمة من المهام الأساسية المطروحة أمام المجتمع بل أصبح معيقاً لها . وإن قوى الفساد الكبرى اليوم تريد استثمار هذا الدور من أجل الحفاظ على مصالحها بالتعاون مع القوى الخارجية مما يؤمن لها حرية الحركة مع الرساميل المنهوبة بل يسمح لها في ظل أوضاع جديدة بتبييضها وهكذا تنتقل فعلاً صلاحيات الدولة إلى قوى السوق الكبرى / قوى النهب والفساد / التي دمرت السدود والبلاد وأفقرت الشعب والعباد .
فالحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في سورية وصلت إلى طريق مسدود وإلى حالة استعصاء مدمر وحل هذه المعضلة يتطلب توسيع المشاركة الشعبية في التعاطي مع القضايا الوطنية والديمقراطية وإلى سيادة القانون ورفع الأحكام العرفية وإطلاق سراح سجناء الرأي وتأمين حق المواطنة للجميع إن تحقيق هذه المهمات يؤدي إلى حدوث انفراج سياسي واجتماعي كبير وهذا سيلعب دوراً كبيراً في مكافحة الفساد والنهب عندها أيضاً يمكن تأمين معدلات نمو عالية. فالحاجة إلى عقلنة التطور الاقتصادي تتطلب إيقاف النهب كما تتطلب دوراً جديداً وفعالاً للدولة في الاستثمار وفي توجيه الاستثمارات لأن دور الدولة القديم أوصل هذه المعدلات إلى الصفر إن الشرط الأساسي لإنجاح هذه العملية هو : قطاع دولة غير منهوب + قطاع خاص يعمل في المجال الإنتاجي وليس متطفلاً على قطاع الدولة . إن هذه العملية إن تمت ستسمح بحل هذه المشكلة الاستراتيجية التي سيتوقف عليها التطور اللاحق لبلادنا.