أنطون سعادة في أحد نصوصه المجهولة دعا إلى توحيد علم التاريخ العام
جان داية
سعاده في الثامن من تموز 1949، وتفتيش الباحثين والصحافيين عن انتاجه عملية متواصلة. ورغم قرن على رحيله، فان المقمشين - وانا منهم - ما فتئوا يعثرون على رسائل ومقالات مجهولة او غير منشورة، سواء التي كتبها سعاده قبل 1932، او بعد تأسيس حزبه، ويعود سرّ ذلك الى ان سعاده كان غزير الانتاج رغم ضيق وقته وقصر عمره، اضافة الى ان بعض انتاجه نشر في دوريات لم تكن على لائحة المنقبين. وهكذا رأيتني اعثر، قبل عامين، على مقال مهم ومجهول، كتبه سعاده قبل تأسيسه ل"الحزب السوري القومي"، وتناول فيه كالعادة موضوعاً ثقافياً - سياسياً، ربط خلاله علم التاريخ بالسلام بين الأمم. ولمناسبة مرور نصف قرن على رحيله، وجدت من المفيد اعادة نشر مقال "علم التاريخ وسلام العالم" مع بعض الملاحظات والايضاحات، عله يساهم في امرين جوهريين: اعادة الاعتبار الى الثقافة التي كانت تحتل مركز الصدارة في الحركة القومية الاجتماعية، واحلال صورة سعاده الحقيقية في اذهان خصومه كداعية لقومية اجتماعية انسانية مكان صورة القومي العنصري الشوفيني.
1 - نشر المقال المعنون "علم التاريخ وسلام العالم" في جريدة "المعرض" البيروتية بتاريخ 30 ايار 1931، وقد وضعت كلمة "دمشق" قرب اسم الكاتب (اعيد نشر جزء منه في احد مجلدي "المعرض" اللذين اصدرتهما "دار النهار للنشر" حديثاً) وذاك يعني ان سعاده الذي عاد من البرازيل عام 1930، وامضى بضعة اشهر في لبنان، استقر في دمشق لأكثر من عام بغية تأسيس حزبه. لكن الفترة التي امضاها في عاصمة الامويين لم تثمر سوى مقالات سياسية وثقافية نشرت في جريدتي "الايام" و"ألف باء"، اضافة الى المقال المنشور في جريدة ميشال زكور الذي اصبح صديقاً لسعاده رغم الخلاف العقائدي. اما "الحزب السوري القومي"، فلم يتمكن من تأسيسه الا في بيروت، وتحديداً في حيّز الكلية السورية الانجيلية او الجامعة الاميركية.
2 - ظهر المقال قبل عام واحد من ولادة الحزب ورسم مبادئه الاساسية الثمانية والاصلاحية الخمسة. اما المضمون فينسجم مع ما تلاه من انتاج ثقافي - سياسي، باستثناء مقولة رئيسية ومصطلح غير ثانوي. فقد وضع سعادة نزعتي الاقليمية والعنصرية في سلة واحدة مع النزعة القومية. واذا كان رفضه للنزعتين العنصرية والاقليمية طبيعياً ومنسجماً مع نهجه الوحدوي والاجتماعي، فان رفضه للنزعة القومية يبدو مستغرباً، نظراً الى كونها (القومية) المحور الرئيسي الذي دار عليه نهجه الفكري وجهاده السياسي، وباعتبار ان المقولة القومية كانت محورية في انتاجه السابق لتاريخ المقال، اي في العشرينات، فان الاحتمال بأنه كان يقصد القومية التي كانت تتجسد بالفاشية والنازية، غير مستبعد. وفي صدد النزعة القومية، فان سعاده الذي دعا الى القومية السورية، كان يستخدم مصطلح "السوريين" في كل مرة يأتي كلامه على ابناء لبنان وفلسطين والجمهورية السورية. اما عبارة "السوريون، اللبنانيون، الفلسطينيون" فقد ورثها عن والده الدكتور خليل سعاده، وقد غابت تماماً عن ادبياته منذ تأسيسه الحزب القومي في مطلع الثلاثينات حتى رحيله في اواخر الاربعينات.
3 - ان الدور الثقافي الذي قام به سعاده في اطار دائرة المعارف البرازيلية مجهول تماماً لدى دارسيه ومحازبيه. لذا تغدو هذه المعلومة أحد العناصر التي تضفي على المقال أهمية بالغة.
4 - ان اقتراح سعاده المرفوع الى "المعاهد العلمية السورية" من اجل عقد مؤتمر تاريخي لتوحيد "علم التاريخ العام" يؤكد نزعته الانسانية. وتجلى ذلك بعد نحو خمس سنوات، حين كرر، في "الخطاب المنهاجي الاول" (1935) وفي رسالته الى حميد فرنجية (1936)، رفضه للشوفينية والعنصرية مؤكداً على المنحى الايجابي الانساني لعقيدته القومية.
5 - والاقتراح الآنف يهدف، في الوقت نفسه، الى انصاف السوريين و"شركائهم العرب"، فيُكتب تاريخهم في موضوعية، ويعطى قادتهم، امثال هنيبعل، المكانة الرفيعة التي يستحقونها. والجدير ذكره ان سعاده عاد ونوه بالقائد القرطاجي الشهير في احد مبادئ حزبه الاساسية، على اساس انه منارة تراثية عسكرية يجدر بأحفاده الاقتداء بها في معركة المستقبل.
6 - اما عبارة "السوريون هم خلفاء الفينيقيين وشركاء العرب" التي وردت في المقال، فترادف الكثير من العبارات التي اوردها سعاده خلال الفترة الفاصلة بين انكشاف أمر الحزب في 16 تشرين الثاني 1935 ورحيل المؤسس في 8 تموز 1949، ومنها قوله ب"أمة سورية" و"جبهة عربية"، رغم اصراره على ان سوريا ستكون "سيف العالم العربي وترسه" فان العروبيين اتهموه بالعداء للعروبة والعمل على تجزئة "الأمة العربية". وقد رد عليهم متسائلاً عما اذا كان العالم العربي موحداً لكي يجوز اتهام احد بتجزئته. والواقع ان عبارة "شركاء العرب" المرادفة ل"الجبهة العربية" تؤكد على ان سعاده كان، قبيل تأسيس حزبه وبعد التأسيس، عروبياً.
7 - تبرز من خلال المقال، ومن مقالات سابقة، نزعة سعاده العميقة الى الثقافة بكل عناوينها الرئيسية: القصة، النقد الادبي، الموسيقى، علم الاجتماع، الفلسفة، الدين والتاريخ، ورغم مشاغله الحزبية والمعارك السياسية المتواصلة والعنيفة، فانه لم يكتفِ بتأليف "نشوء الأمم" (علم اجتماع)، و"الاسلام في رسالتيه" (دين)، و"الصراع الفكري في الادب السوري" (نقد ذاتي)، بل حرص على رعاية الثقافة والمثقفين داخل حزبه وخارجه. من هنا سرّ استقطابه للعديد من الشعراء والفنانين والمفكرين، امثال صلاح لبكي ومصطفى فروخ وجورج مصروعة وزكي ناصيف ومحمد يوسف حمود وصليبا الدويهي وفايز صايغ وهشام شرابي وغسان تويني وجورج حكيم. وليس من المبالغة القول، ان احد اهم اسباب ازمة الحزب القومي اليوم هو اهماله الشأن الثقافي في صورة شبه كاملة.






