الحزب السوري القومي الإجتماعي

حزب البطولة والتضحية

 

ايلي خوري

 

يعلن حضرةُ الزعيم في مقدمة الخطاب المنهاجي، خطابِ أوّل حزيران 1935 أنّ الحزب السوري القومي الاجتماعي  الذي كان ما يزال سرّيًا قد نقض "بالفعل حكم التاريخ" وأننا " أصبحنا أمة بعد أن كنا قطعانًا بشرية وغدونا دولة تقوم على أربعة دعائم :الحرية ، الواجب ، النظام، القوة .. "

ويعلن أيضًا أن المتزعمين استغلوا تململ الشعب الذي لم تكُ له قضيةٌ قومية بالمعنى الصحيح " واستندوا في تزعمهم إلى بقية نفوذ عائلي مستمدٍ من مبادئ زمن عتيق تجعل الشعب قطائعَ موقوفة على عائلاتٍ معينة تُبذل مصالحُ الشعبِ في سبيل نفوذها. " وأن هؤلاءِ المتزعمين لجأوا "إلى كلمات محبوبة لدى الشعب، كلماتِ الحرية والاستقلال والمبادئ وتلاعبوا بهذه الألفاظ، المقدّسةِ متى كانت تدلّ على مثال أعلى لأمة حية، الفاسدةِ متى كانت وسيلةً من وسائل التزعم وستارًا تلعب وراءه الأهواءُ والأغراض."

فما هي حقيقة هذا الحزب؟ وبماذا ينفرد عن بقية الشركات السياسية، القائمة في وطننا والمسمّاة "أحزابًا"؟ وإذا لم يكن حزبًا سياسيًا بالمعنى الإعتيادي، فما هو إذن؟   

إنه حزب الأمة السورية، لا حزب فرد أناني أو حزب عائلة إقطاعية أو حزب طائفة دينية أو حزب أقلية مذعورة، أو حزب كيان سياسي مفعول، أو حزب طبقة سياسية مالية أو حزب وطن من لغة وأضغاث أحلام، أو  حزب تجمّع احتكاري عالمي تضيع فيه حقوق ومصالح الأمم الضعيفة.

إنه حزب النظرة الإجتماعية البانية الواحدة الموحِّدة، لا النظرة الفردية المهدِّمة بتعدد وجوهها وألوانها. فهو قائم على "حقيقة الإجتماع البشري الواحد الموحَّد في البيئة الطبيعية الواحدة."

وهو حزب الوعي القومي والمجهود القومي. إنه حزب تعليمي ومدرسة عقائدية تثقيفية، معه لا تُقبل مهادنة ولا مسايرة ولا تسوية ولا يُسمح بتوفيق بين جديد وعتيق، إذ ليست السياسة غايته بل وسيلة من وسائله، ولا كرسي الحكم طلبه، بل مطلبه الحكم الصحيح.

يقول الزعيم: "أليس مجرّد إنشاء الحزب السوري القومي الإجتماعي على أساسه القومي المتين دليلاً كافيًا على أن سعاده قد رفس برجله كل ركام البضاعة السياسية التي جمعها أولئك المشعوذون؟"

فالحركة " القومية الاجتماعية ليست حركةَ مظاهر ولا تشكيلةَ مساوماتٍ، وليست قضيتُها حلَّ مشكلةِ استياءٍ خصوصي، إنها حركةُ إنشاء وبناء ".

ولقد أوجد الحزب السوري القومي الإجتماعي ميزانًا للمصلحة القومية لا مجال فيه للإفراط أو للتفريط بالحق القومي، تارة عبر نزعة عالمية رومانسية، وطورًا عبر نزعة إنعزالية بدائية، فتلغى حدود الوطن أو تضيّع أجزاء من أرضه.

كما حارب الحزب حالة القطعانية البشرية في شعبنا وما تحمل من اتكالية وتقليد وانقياد، فأدخل السوريين في عهد جديد لا محل فيه لعدم الشعور بالمسؤولية. وحارب الشك فأوجد الإعتماد على النفس.

عندما نتحدّث عن الحزب السوري القومي الإجتماعي نتحدّث عن عهد جديد وتفكير جديد في الإجتماع والإقتصاد والسياسة والثقافة والأدب والفن. فالحزب هو " حركة جديدة آخذة في هدم نفسية قديمة عامة بكاملها "

إنه الروح الجديد الذي يريد ان يقضي على الحالة الزرية في هذه الأمة، إذ أخذ الحزب على عاتقه تغيير العقلية الفاسدة في شعبنا، لذلك فطريقه هي الحرب، لأن " الحرب هي طريق كلّ دعوة إصلاحية جديدة إلى النصر. وكلّ حركة رامية إلى إنشاء عهد جديد تهمل أهمية الصراع وشحذ العزائم للبطش بكل باطل وكل فاسد وتضحي الحمية والمروءة وعواملها النفسية من أجل اعتبارات« أدبية » ومجادلات كلامية هي حركة لا تعرف مهمتها التي وضعتها العناية في عنقها "

" الحرب هي كلمة التعارف عند القوميين الإجتماعيين والحرب الحاضرة لحركتنا هي ما قرّر الزعيم منذ البدء: أن تكون في الداخل أولاً لتوحيد الأمة وإنقاذها من المفسدين والمقلقين والمنافقين والسفسطائيين وجعلها جبهة واحدة متماسكة متراصة تجاه الأعداء الخارجيين كائنًا ما كان جنسهم وأيًّا كان مصدرهم." ألم يعلن الزعيم أنه " لا يريد انتصارًا باردًا هيّنًا بدون حرب

أما الأحزاب الأخرى، فجميعها تدعو إلى الإتحاد وتجهل روابط الإتحاد، أو هي تعتمد روابط بدائية أو وهمية، من نسب، أو دين أو لغة أو مشاعر وآلام وأحلام، أو تاريخ مدوّنة أحداثه بأيدي الحاقدين المتآمرين على حقنا. وإذا كان بعض هذه الأحزاب لا يفوته الحماس وصدق النية، فإن جميعها تفوتها صحة العقيدة. إن الخلاص هو في اعتناقِ الشعبِ مبادئَ حياتِه، مبادئَ الحزب السوري القومي الاجتماعي، هذه المبادئ التي تنقذ وحدَها الأمة من "الفقر والاستهزاء والتدجيل وتسير بها إلى الفلاح والمجد". ويخطئ من يقول إن الأمة الآن هي في أسوأ حالاتها، وإنه يستحيل إنقاذها.

لقد كانت في أسوأ حالاتها قبل تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي، والسوء الذي تعانيه اليوم هو بسبب غفلة أبنائها عن مبادئ النهضة؛ أما الإنقاذ فهو حتمي بإيماننا وعملنا وجهادنا ولا يتحقق الانتصار بغير ذلك .إن حزبكم هو القوة النظامية التي بها أصبحنا أمة بالفعل، وما كان ذلك ممكنًا لولا التأسيس، الذي قام على دقة التخطيط، ووضوح القصد، وصحة الإتجاه، وزخم الإنطلاق، ورسوخ القواعد، وحريةً النظام، ومتانة البناء الفكري، وجمال العمران الروحي، وثقافة مقوِّمة الإعوجاج، موجّهة قوى الحياة نحو الإنتصار.

وإذا أردنا أن نصف الحزب السوري القومي الإجتماعي بكلمة، لقلنا: إنه حزب البطولة والتضحية.

وهاكم بعض يسيرٌ مما كتب الزعيم في غير خطبة ومقالة ورسالة: "ان حزبكم قد افتتح عهد البطولة الشعبية الواعية المؤمنة المنظمة في أمتكم، فإن عهدكم هو عهد البطولة، فلا تتخلوا عن طريق البطولة ولا تركنوا إلى طريق المساومة الغرارة. إن لحزبكم تاريخه، وهو تاريخ جهاد وبطولة وعظمة وارتفاع نحو المثل العليا الجميلة."

" إن معارك الإنتصار السياسي الفاصل لا يمكن أن تكون إلا معارك صراع العقائد والغايات الكبرى ـ معارك البطولة المثالية الممتازة. والإنتصار هو دائمًا شيء فاصل، فلا يمكن أن يحدث على أساس تسوية، أو بروحية التسوية."

" نحن.. حزب..يسير لتحقيق المصالح القومية كلها بالتضحية. بتضحية أفرادٍ وفئات كبيرة وعديدة منا. بألوف من القوميين المستعدّين لتحمّل جميع أنواع الآلام وخوض جميع المعارك لنصرة قضية الأمة وحق الأمة.."

" نحن مستعدون لكل تضحية من أجل انتصار المبادئ وانتصار الأمة بواسطة هذه المبادئ."

" إن الحزب السوري القومي الاجتماعي قد سار وسط الحديد والنار الى غرضه القومي الاجتماعي. وفي كل آلامه ومحنه لم يتوجه الى الشعب بنداء واحد في طلب تبرعات، لأنه أراد أن يعتمد على قواه وحده قبل كل شيء ولأنه أراد إلقاء هذا الدرس البليغ: إن البطولة لا تُستجدى! "

" إن أزمنة مليئة بالصعاب والمحن تأتي على الأمم الحية فلا يكون لها إنقاذ منها، إلا بالبطولة المؤيدة بصحة العقيدة. فإذا تركت أمة ما اعتماد البطولة في الفصل في مصيرها قررته الحوادث الجارية والإرادات الغريبة."

" مارسوا البطولة ولا تخافوا الحرب بل خافوا الفشل."

أخيرًا نهتف مع الزعيم قائلين:

"هذا هو الحزب السوري القومي الاجتماعي للذين وحّدوا إيمانهم وعقائدهم فيه،

هذا هو الحزب السوري القومي الاجتماعي للذين وحّدوا قوّتهم فيه،

هذا هو الحزب السوري القومي الاجتماعي للأمة السورية."

إن مجرّد التساؤل في هذا الباب يعني إننا لسنا نجد حزب سعادة الحقيقي في وضع الحزب الراهن.

لو أن الحزب الحالي هو فعلا حزب سعادة، يحمل عقيدته ويسير بنظامة وينهج بنهجه ويتجه نحو أهدافة وغايته، لما خطر ببال أحد أن يسأل كيف أراد سعادة الحزب؟ إن طرح السؤال بحد ذاته يحمل جزءاً من الجواب: سعادة أراد الحزب على غير الصورة التي هو عليها الآن.

لقد أصبح معروفا منّا جميعا بعد سبعين سنه من تأسيس الحزب، وبعد نصف قرن على إستشهاد سعاده، أن مؤسسات الحزب المركزية وأجهزتها كانت دائما، وفي غياب الزعيم، أكان أثناء غيابة القسري في أمريكا الجنوبية بين عامي 1983 و 1947، أو بعد غيابه بالإستشهاد سنه 1949 نقول أنها كانت بعيدة كثيراً، ودائماً، عن القضية السورية القومية الإجتماعية التي وجد الحزب ومؤسساته أصلا لخدمتها وتحقيقها.

نشعر جميعاً، عاملين في صفوف الحزب حالياً، أو منكفئين طوعاً أو فصلاً، أن الحزب لايسير في الإتجاه الذي رسمه سعادة، لا أحد منا مقتنع بأن النهج المتبع في قيادات الحزب العليا، منذ الإستشهاد وحتى اليوم، لم يوصل إلى تحقيق شيء ولو صغير جداً من أهداف الحزب الأساسية والإصلاحية.

إن أمام أعيننا مشهداً كبيراً جداً في حجمة وفي مغزاه، يمكن تلخيصه بما يلي: إن أفواجاً كبيرة وكثيرة من السوريين التائقين للحرية والسيادة قد دخلت هذا الحزب بكل إخلاص وعزيمة صادقة على مدى تاريخة الطويل، وإن هذه الأفواج نفسها قد خرجت منه، وأن لخروجها أسباباً يجب درسها. إذا كنا أما معطيين أساسيين هما: صحة العقيدة وجودة خصائص ومزايا السوريين، فثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح وهو: لماذا لم تنتصر القضية السورية القومية الإجتماعية بعد ؟؟.

إن سبباً كبيراً يجب البحث عنه. فلنأخذ قول سعادة التالي: " إن الأمم كلها تريد الخير والفلاح ولكن المشكل هو في إيجاد التعبير الصالح عن هذه الإرادة. فالإرادة العامة إذا لم تجد التعبير الصحيح في فكرة واضحة وقيادة صالحة تصبح عرضة لأن تقع فريسة المآرب التمثيلية."  فلنبحث في الفكرة ومدى وضوحها. ولنبحث في القيادة ومدي صلاحها.

إن مئات الآلاف من الأعضاء الذين وعوا وآمنوا  وإنتموا وعملوا إنما تركوا الحزب ليس لضعف في وعيهم وإيمانهم أو شك في صحة إنتمائهم أو قلّة إستعدادهم للعمل، فتاريخ الحزب يشهد، والناس كلهم يشهدون، على ميزة البذل والعطاء الأسطورية التي يتمتع بها أعضاء الحزب. ولكن هؤلاء الأعضاء المنتمين بصدق وإخلاص وإيمان، هم وليس غيرهم المسؤولون عن هذا المشهد السيء. هؤلاء كانوا، وكان الحزب معهم، ضحية عدم فهم العقيدة والنظام وتاريخ الحزب فهماً كافيا. بل كانوا أيضاً ضحية الفهم الخاطئ لمبداء الثقة في الحزب فمنحوا ثقتهم لغير الجديرين وغير المؤهلين فأمكن قيادتهم في الإتجاه الخطاء الذي لم يؤد إلى تحقيق شيء من غاية الحزب التي من أجلها هم إنتموا أصلاً إليه.

هؤلاء لم يفهموا جيداً ولا يعوا تماما، أربعة: أولا: عقيدة الحزب – فلسفته – نظرته إلى الحياة. لقد عملت القيادات غير المؤهلة على الإيحاء أن النظرة الجديدة للحياة والكون والفن هي عنوان جميل فقط، ولم تعمل، لعجزها، على شرح وإيضاح شيء منها. الإنسان- المجتمع والمدرحية والإقتصاد، إدعت القيادات غير المؤهلة أن سعادة لم يشرحها، لم يستكملها، إستشهد قبل أن ......، مات قبل أن ......، مات ومات سرَّه معه!! بينما الحقيقة أن سعادة كله موجود معنا، وإنه واضح وكان، ولا أحد يمنع أحد من البحث في تراثة ودروسه ومعرفته. إن بعض قادة الحزب، بعد إستشهاد سعادة، أنكروا عليه أنه صاحب علم أو صاحب فلسفة. بعضهم قال أن سعادة ليس عالما بل ناقل علم وأن " نشؤ الأمم" ليس له بل للعلماء الذين ذكرهم فيه.  وبعضهم قال أن ليس لسعادة نظرة جديدة، أي فلسفة ، في الديمقراطية وإنبثاق السلطة في المجتمع، وأن نظام سعادة هو نفسه نظام الديمقراطية التمثيلية دون زيادة أن نقصان. ثم أن نظرة سعادة إلى الإنسان، ورغم أنه أدلى بها بعبارات واضحة جليَّة سهلة قاطعة حاسمة، مثل: "الإنسان في نظر سعادة هو المجتمع وليس الفرد ...." فقد بقيت قيادات الحزب تصرُّ على أن الإنسان- المجتمع ليس سوى الإنسان الإجتماعي، أي أن إنسان سعادة ليس هو المجتمع بل هو الفرد الإجتماعي، الإنسان-الفرد المنتمي إلى مجتمعه.... الخ. وبديهي أن هذا الإصرار وهذا التأويل ليس بجديد وقد رأيناه قبل سعادة بكثير عند الكثيرين من علماء الإجتماع وكتَّاب الأدب الإجتماعي، ويعني أيضا أنه ليس لسعادة شيئا جديداً وأن قول سعادة "هذه فلسفة الإنسان الجديد " هو كلام بكلام !!!

أما عن المدرحية فحدث ولا حرج. فبيمنا وصفها سعادة بأنها " فلسفة كاملة"  و" فلسفة التفاعل الجامع الموحد القوى الإنسانية " وموضوعها التطوّر الإجتماعي وفهم عوامله وقواه. أخذ قادة الحزب "الكبار" يحاولون " مقاربتها" موحين أنها صعبة جداً أو غامضة جداً، أو ناقصة جداً. وقد وجد من إدعى أنه وجدها !! أنه قبض عليها كاملة، فالفلسة المدرحية في نظره يكمن "سرها" بأن المادة هي المزيج السلالي  والروح هي القومية!!.

ثانيا: نظام الحزب- النظام الجديد- نظام الفكر والنهج- وليد العقيدة الجديدة ومحققها. سعادة يقودنا ويقودنا ويقود مجتمعه إلى الأمام، إلى شيء جديد جميل، إلى "الإبتكار الأصلي الذي هو من مزايا السوريين" إلى النظام الجديد الذي " ستمشي عليه البشرية في المستقبل" . وهم يشدونه ويشدوننا إلى الوراء الى الشكل "مستغنين عن الأساس" وينكرون أن سعادة إبتكر نظاما جديداً. الغريب العجيب أنه رغم شمول غاية الحزب على نص صريح فصيح هو: "إقامة نظام جديد" فإن قادة هذا الحزب السيء الطالع ينكرون أن لسعادة نظاماً جديداً وتراهم "يجاهدون" لإدخال الديمقراطية إلى الحزب لدرجة أن واحدنا أصبح يتساءل: لماذا دخل هؤلاء الحزب طالما أنه خال من الديمقراطية وليس فيه أو في مبادئه شيئا جديداً؟.

بالفعل إن الحزب الحالي لم يعد فيه شيئاً جديداً وهو فعلاً خال من الديمقراطية!! فنحن ندرس دستور الحزب الحالي ونفتش على اثر لديمقراطية سعادة التعبيرية الجديدة ونظام سعادة الجديد فيه فلا نجد شيئا. إننا نجد تقليداً سيئاً وتجميعا عشوائياً لأنظمة عتيقة رجعية إنتقدها سعادة صراحة وبكلمات قاسية مثل: "إن الديمقراطية الحاضرة قد إستغنت بالشكل عن الأساس فتحولت إلى نوع من الفوضى لدرجة أن الشعب أخذ يئن من شلل الأشكال التي أخذت على عاتقها تمثيل الإرادة العامة وصار ينتظر إنقلابا جديداً. وهذا الإنقلاب الجديد هو ماتجيء به الفلسفة السورية القومية الإجتماعية القائلة بالعودة إلى الأساس والتعويل على التعبير عن الإرادة العامة بدلاً من تمثيل الإرادة العامة الذي هو شكل ظاهري جامد ".

إن تلامذة سعادة لم يكونوا بحاجة لمقالته في سانتياغو سنة 1940 والموجود نصَّها في الآثار الكاملة الجزء الرابع صفحة 38 لكي يعرفوا أن نظامهم هو "نظام جديد" . أليست عقيدتهم هي عقيدة جديدة؟. هذا يكفي، فنظامهم هو حتما مستمد من عقيدتهم ونظرتها إلى المجتمع والسلطة وإنبثاقها. إن تلامذة سعادة قبل 1940 كانوا يعرفون أن نظامهم جديد وهو قد وضع على قواعد "حيوية" وكانوا يعرفون أن العقيدة الجديدة لايحققها نظام عتيق. إن العقيدة أملت هذا النظام وهي قررته وهو وحده يحققها. ألم يقرن سعادة العقيدة بالنظام ويجعل العقيدة والنظام قضية واحدة شرط إعتناقها هو شرط الإنتماء إلى الحزب؟ . في المادة التاسعة من دستوره نقرأ: كل سوري ذكر كان أم أنثى يحق له دخول الحزب على أن تتوفر فيه الشروط التاليه: أ- ب- ج- د: بأن يدين بالقومية السورية الإجتماعية ويعتنق مبادئ الحزب ونظامه. إن هذا النظام الجديد الذي على من يريد الإنتماء إلى الحزب أن يعتنقه إعتناقاً ماذا بقي منه الآن؟؟. أين أصبح؟؟. لقد أصبح مجرد قيد أو سيف "سيف النظام" يلزم الرفقاء بطاعة غير واعية لمسؤولين غير موثوقين وغير كفوئين وغير مؤهلين بل غير مؤمنين أو غير جديين في إيمانهم يصدرون قرارات يجب أن تطاع حتى ولو لم  "يخولهم الدستور إصدارها".

ثالثا: أسلوب التفكير القومي الإجتماعي العملي والنهج والإستراتيجية القومية التي تحقق غاية الحزب. لقد أصبح منسياً اليوم إن الحزب هو دولة السوريين القوميين . الجميع يتكلمون اليوم على دستور الحزب ولايعلمون أن الدساتير وجدت للدول وليس للأحزاب. كل الأحزاب عندها "أنظمة داخلية" و "أنظمة أساسية" وليس عندها دساتير.  فقط الحزب السوري القومي الإجتماعي له من الأساس دستور. إنه دستور الحزب والدولة وليس الحزب السياسي العادي.

إن القواعد التي نشأ عليها حزب سعادة، وإن مقدمة دستوره  ومواده تدل بوضوح على صفة الدولة أو الحزب- الدولة. بل هناك إعلان صريح بذلك على لسان سعادة نفسه في أول إجتماع سري للحزب سنة 1935 يقول: "الحقيقة أيها الرفقاء إننا قد ترابطنا في هذا الحزب لأجل عمل خطير جدا وهو إنشاء دولتنا ليكون كل واحد منا عضو دولته المستقلة، والعمل ولاشك شاق فهل نعجز عنه؟"

أين في صفات الحزب حاليا من صفات وخصائص حزب سعادة سنة 1935؟ أين هم رجال الحزب والدولة اليوم وكيف هو أسلوب تفكيرهم العملي ونهجهم وأين هي إستراتيجيتهم القومية لتحقيق غاية الحزب- الدولة؟. إن الحزب اليوم هو أقل بكثير من حزب سياسي عادي.

رابعاً: تاريخ الحزب خلال قيادة سعادة. نحن لاتعرف كيف إستشهد سعادة مثلا ولماذا وماهي أدوار المحيطين به طيلة سنوات 47 و48 و49 وإبان إستشهاده وبعد إستشهاده. إن مؤسسات الحزب بعد إستشهاد سعادة لم تستطع حتى الآن، أي بعد 55 سنة، أن تقدم رواية موحدة عن ظروف وكيفية وحيثية إستشهاده. فكيف لهذه المؤسسات أن تستطيع تصحيح تاريخ الأمة السورية وتكتبة للأجيال السورية من أجل إعادة بناء هويتها القومية وسيادتها؟.

إن تاريخ الحزب هو تاريخ هذا الصراع المصيري الكبير وهذا العراك العنيف بين عوامل الحياة الجديدة وعوامل الإندثار والهلاك والموت، هذا التاريخ من يكتبه ؟ من هو المؤهل اليوم لكتابته وتدريسه ؟؟.

إن فهم الرفقاء ووعيهم لهذه المحاور الأربعة، و"إدراكهم العالي" لعقيدتهم ونظامهم الجديدين ، هو الذي سيؤدي إلى الصحوة الكبرى التي ستمسك بالحزب وتعيده إلى إتجاهه الصحيح.

إن الرفقاء اليوم لم يبق لهم شيء صحيح من حزبهم سوى تعاقدهم الصادق المتين الذي لاينفك أبداً مع سعادة. كل ماعدى ذلك أصبح خللاً وزغلاً وفشلاً.

هذه دعوة إلى درس سعادة في تراثة المكتوب وفي سيرته وجهادة وتاريخ صراعة حتى الموت.

ان مسألة اي حزب اراده سعاده مرتبطاً بشكل مباشر بالوضعية القومية في المجتمع من جهة، وبالوضعية الحزبية القائمة في سورية من جهة اخرى، فعندما عاد سعاده من البرازيل عام 1930 تسائل: هل يمكن للاحزاب والقوى الساسية القائمة في كيانات الامة ان تكون رافعة للممارسة القومية الصحيحة؟ وهل يمكنها ان تنمي ثقافة جديدة مبنية على الآخاء قومي؟ بل هل يمكنها ان تقدم نموذجا ديموقراطيا يوفر المستلزمات الاساسية للنهوض بالمجتمع السوري الى مرتبة الامم الحية؟ فكان الجواب بالنفي. وبعد ان اكتشف عمق الارتباك الذي كانت (وما زالت) الاحزاب  السورية تعيشه نتيجة للمأزق القومي السائد في الامة، رأى سعادة أن البعث القومي غير ممكن عملياً خارج نطاق مؤسسة تدرك جوهره عملياً وتفهم ميدانه الخاص. وقد تكون هذه المؤسسة موجودةً فعلاً في بعض المجتمعات، أما في المجتمعات المتخلفة فلا بد من إيجادها. فالمؤسسات السورية مثلاً، كانت قديمة وتفتقر للكفاءة وتنشط خارج نطاق الوعي القومي ومحصورة في وضع هامشي يعتمد أساساً على العشيرة أو الطائفة أو العائلة. وحتى في عصر التغيير السريع، فشلت في إبداء أي سلوك ثوروي، وتراجعت إلى نشاطات آنية.

الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي تأسس عام 1932، كان رد سعادة على هذا الافتقار للمؤسسات. فالحزب جسد نضج الحركة الثوروية التي أخذت تتجاوز المطالب المحدودة والمتضاربة للجماعات المختلفة. وذلك بجعله البعث القومي الذي يسمو على المستوى السياسي القائم والتفكير الضيق هدفه الاساسي والاول. ولقد ، استلزم هذا التجسيد بالاضافة الى ضرورة تجاوز السياسات الطائفية المتحجرة الانتقال من الواقع الموضوعي للفتور السياسي إلى الذاتية الثوروية, وتحولٌ جزريٌ في المفاهيم: من "المفهوم الفردي" الخصوصي إلى "المفهوم القومي"، بحيث ترفع المسائل المثارة إلى نقطة تصبح فيها المصلحة القومية هي الأساس لكل تصرف أو سلوك سياسي. كان الحزب هو القوة التي أمل سعادة أن تحقق هذا الهدف. ففي الوقت الذي شجعت فيه المؤسسات القائمة نظرة خصوصية ضيقة قادت، في الغالب، إلى التركيز على المصالح الفئوية، كان الحزب السوري القومي الاجتماعي حركة تعبر عن رفضها للنظام من منطلقات قومية.

وبالفعل، ما ميز الحزب السوري القومي الاجتماعي عن الأحزاب والتنظيمات السياسية القائمة في سورية، هو توكيده على "الكليات" وليس "الخصوصيات". تملكته رغبة جامحة في البقاء دوماً كطليعة حقيقية للقضايا القومية، بدل التلهي بالمشكلات والحلول الطارئة. فالموضوع الحيوي بالنسبة لسعادة لم يكن استبدال نظام سياسي بآخر، أو المسارعة لإيجاد نظام جديد يمكن أن ينتجه المجتمع وهو في وضعه الحالي. الموضوع لسعادة هو تغيير كامل حياة الأمة التي توقف تقدمها منذ وقت طويل، وتقلصت الإمكانية الموضوعية لتحركها باتجاهات جديدة، وذوت حتى التلاشي تقريباً.

  ثانياً: سعاده اراد حزباً يعبر عن حياة جديدة بقيمها ومناقبها الخاصة – حزباً يسعى ليس فقط لتدمير المعاني والمعايير القديمة في الحياة اليومية، بل ايضا لبناء قيم ٍأخرى جديدة مكانها. وهذا الحزب، لكي يقوم بمهامه على اتم صورة، عليه أن يهدف إلى تطوير نفسه بحيث يتمكن من إعطاء التعبير المؤسساتي السليم عن النظام السياسي الجديد الذي يسعى لإقامته. لذا قال: "القصد الأساسي في الحزب السوري القومي الاجتماعي هو توحيد اتجاه الأمة الموجودة مصغرة في الحزب. وإذا قلنا أن الأمة هي الحزب السوري القومي الاجتماعي وأن الحزب السوري القومي الاجتماعي هو الأمة، لم نقل إلا الحقيقة الحرفية المجردة، لأن الأمة هي هيئة تحقق فيها الوعي وحصلت النظرة الفاهمة الواضحة الصريحة إلى الحياة والكون والفن".

كانت فرضية سعادة الرئيسية هي أن التحول الفردي في السلوك والأساليب، يجب أن يبدأ من إدراك أن البعث القومي، وخاصة في بداياته، هو مسار عقائدي قبل كل شيء آخر. ولهذا السبب، دعا القوميين الاجتماعيين إلى مناقشة المواطنين عقائدياً بدلاً من الخوض في السياسة، وكإجراء معاكس للوضع السياسي القائم. وهجومه هذا على السياسة نجم من الارتياب العميق بالأساليب السائدة والاتجاه القائم، فقد كانت مجردة من القيم وتقوم على الدهاء والهرطقة: "السياسة التي تسخر من آمال الشعب ورغباته وتحتقر الأمة". وكتعبير حقيقي عن النهضة، كان على الحزب ان يترفع عن هذا النوع من السياسة لأن "كل خطة سياسية وكل خطة حربية مهما كانت بديعة ومهما كانت كاملة لا يمكن تحقيقها إلا بأخلاق قادرة على حمل تلك الخطة."

ثالثا: الحزب الذي اراده سعاده هو الحزب القائم على الوعي والمعرفة بدلا من الحدس والاعتباطية. وعمل كهذا يستلزم إنشاء بنى جديدة في مجال الوجود اليومي للمجتمع تكون الغاية منها غرس الوعي القومي في الشعب، وطرح التحدي لكل قيود النظام القائم. هنا، تصور سعادة تفاعلاً جدلياً بين الحزب والمواطنين: الحزب ينشر في المجتمع وعياً قومياً ثوروياً، ويتلقى بالمقابل دعماً مادياً ومعنوياً هو بحاجة إليه. لذا، يقف الحزب السوري القومي الاجتماعي بين النخبوية (بالمعنى المعتدل للكلمة لا المتطرف التي تعني وجود نواة سياسية "منفصلة تمامً عن محيطها، مع احتفاظ نواة صغيرة من هذه النخبة بكل المبادرات) والجماهيرية التي تعتبر المشاركة الشعبية الأداة الحقيقية للتغيير الثوري.

رابعا, الحزب الذي اراده سعاده هو الحزب الحاضن لكل المجتمع وليس لفئة او لفئات منه. وهذا يعني حتما، انه لا يجوز تصنيف الحزب السوž