الحزب بغايته

اسامة عجاج المهتار

 

لا أعتقد أن الإجابة الأولية عن سؤال: "أي حزب أراده سعادة"، تختلف بين قومي اجتماعي وآخر. "ليس أي من الأحزاب التي تحمل اسمه، أو التنظيمات التي تحمل أسماء أخرى بوحي من عقيدته، هي ما أراده سعادة." هذا هو الجواب الأول الذي لا يختلف عليه اثنان، بل حتى يتفق معه معظم المسؤولين في جميع هذه التنظيمات ولسان حالهم يقول: "لا تشكي لي، أبكي لك." الاختلاف يظهر في بقية الجواب، "أي حزب أراده."

سأركز في هذا المقال على ناحية واحدة فقط أعتبرها الأساس وكل ما سواها تفاصيل. أراد سعادة الحزب ليكون أداة تحقيق غايته التي اعتبرها المثال الأعلى والمطلب الأعلى للسوريين القوميين الاجتماعيين، وأراد عبرهم، أن يأخذ السوريون عامة بهذه الغاية مثالاً أعلى لهم لأنها تنطوي على القيم الإنسانية العليا، ولأن فيها حياة المجتمع السوري ورقيه، ولأن فيها الطريق إلى استعادة سورية دورها الإنساني الحضاري. من هذه الإرادة وهذا التصور لماهية الحزب، وضع سعادة تحذيره المشهور:”كل عقيدة عظيمة تضع على أتباعها المهمة الاساسية الطبيعةي الأولىالتي هي، إنتصار حقيقتها وتحقيق غايتها. كل مادون ذلك باطل. وكل عقيدة يصيبها الإخفاق في هذه المهمة تزول ويتبدد أتباعها.“

غاية الحزب، من جهة، مشروع، ولكنها، في وصفها تتناقض مع التعريف العلمي لكلمة مشروع، والتي تنص أن المشروع هو "مجموعة من الأنشطة تبدأ في وقت محدد وتنتهي في وقت محدد، لتنفيذ هدف أو أكثر." إنها مشروع من ناحية وضوح القصد منها، ولحاجتها إلى مقومات للنجاح من جهاز بشري وطاقات مادية ودراسات وتخطيط وتصميم وتقييم ودراسة الأخطار ووضع الخطط الاحترازية لدرئها، وتنفيذ فمراجعة وتقويم وهلم دواليك. إنها مشروع من ناحية الشروط الضرورية التي لا غنى عن توفرها قبل الانتقال من مرحلة إلى أخرى. إنها مشروع من ناحية معرفة المقياس المعياري الأول – أي وضع الأمة عند انطلاق الحزب – لنقيس به مدى تقدمنا أو تراجعنا عن تحقيق غايتنا. أي إنها شيء قياسي.

وهي تخرج عن كونها مشروعًا في ناحيتين: الأولى أن القائمين بالمشروع، أي مشروع، يحاولون قدر جهدهم عزل تنفيذه عن أية مؤثرات خارجة عنه، وهذا مستحيل في عمل اجتماعي وسياسي واقتصادي من حجم "إعادة الحياة إلى أمة ظنها الناس ميتة". والثاني، أن الغاية نفسها ليست هدفًا ثابتًا بحيث يمكن لنا أن نقول في يوم من الأيام، "لقد أنهينا مشروع غاية الحزب"، وهذا أحد المكونات الأساس في تعريف كلمة مشروع. إنها مشروع لا نهاية له، وقد عبر سعادة عن ذلك بالقول، "كلما بلغنا قمة تراءت لنا قمم أخرى."

لم يكن ما سبق غائبًا عن فكر سعادة إطلاقًا. ففي رسالة إلى غسان تويني يقول: "في الشؤون العملية، أنا عملي جدًا." وقد حدد سعادة لانطلاقة الحزب وعمله توجهًا عامًا أوضحه في رسالته الخامسة لغسان التويني هو: " إن خطط الحزب السوري القومي الإجتماعي كما هي في فكر الزعيم وتخطيطه وتوجيهه وعمله لم ترم قط إلى إنشاء كتلة عقائدية متحجرة، بل إلى منظمة عقائدية تفعل إدارة وسياسة وحرباً لتحقيق غاية". والعمل وفق الأسس العملية الثلاثة التالية: 1. استكمال مرحلة التأسيس والنمو, 2.أن ينضم إلى الحزب العدد الكافي من الأعضاء من ذوي المواهب المختلفة, 3. قيام الظروف السياسية المناسبة." ما هو العدد الذي كان يفكر فيه سعادة؟ إنه لا يحدد العدد، ولكنه في رسالة إلى تويني يتحدث سعادة عن "الوقت الطويل الذي يأخذه انتشار عقيدة الحزب ضمن دائرة عريضة من المواطنين بما يؤمن نشؤ عدد من الرفقاء المؤهلين الذين يستطيعون تأمين جبهة عريضة في مختلف المناطق السورية." وفي مقال كتبه سنة 1942 في ”الزوبعة“ يتكلم فيه عن "الحاجة إلى توظيف الكتّاب وإرسال المتكلمين إلى المناطق وطبع الكتب والمناشير بعشرات الآلاف لإيصال الأخبار الصحيحة والتوجيه الصحيح." والتي لو توفرت "لما كان موقف سورية في هذه الحرب هو موقف الشلل الذي تعانيه."

سعادة إذًا خطط للوصول إلى كتلة عريضة، ولنسمها كتلة "الوزن النوعي" من الشباب العقيدي ذوي المؤهلات في شتى الحقول الذين يستطيعون تأسيس جبهة عريضة في جميع المناطق السورية، والعمل في الإدارة السياسة والحرب لتحقيق غاية الحزب. في تقديرنا، أن هذا العدد لا يمكن له أن يكون تحت الخمسة بالمائة من تعداد الشعب السوري في الوطن والمغتربات. والسبب في ذلك أن مثل هذا العدد هو شرط ضروري لقيام جبهة عريضة مؤيدة للحزب ومبادئه الأساسية والإصلاحية. بدون كتلة نوعية من هذا النوع، يبقى الحزب إما هامشيًا، أو حزب أقلية يحكم عسكريًا لفترة مؤقتة إذا سمحت له الظروف بالوصول إلى الحكم في كيان ما.

عدم وضع غاية الحزب كهدف للتحقيق، في رأينا، هو من أكبر المآسي التي مرت في تاريخ هذا الحزب. لا يكفينا القول "إن غاية الحزب محفورة في عقولنا وقلوبنا." هذا شعر رديء. يجب إخراج هذه الغاية من تلك المنطقة الضبابية في عقولنا ووضعها نصب أعيننا كمادة للتحقيق ودراسة الشروط الضرورية لذلك، والعمل لتنفيذها. هذا عمل إداري مجرد يجب وضعه كمادة للدراسة الإستراتيجية والتخطيط وسحبه من التجاذب السياسي الداخلي أو الخارجي. بمعنى قيام جهاز تخطيط في الحزب يعمل باستمرارية واستقلالية عن التغيرات الإدارية المرافقة للتغيرات في قيادة الحزب، ليستمر في وضع الخطط ومراقبة تنفيذها.

المأساة الثانية هي أن الحزب، ولأسباب شتى لم يتمكن من بناء جهازه الإداري، بل نجح نجاحًا باهرًا في دفع المئات إن لم يكن الآلاف من الإمكانيات الحزبية "في شتى المجالات" وفي "مختلف المناطق السورية" إلى الانكفاء عن حزبهم والابتعاد عنه. إننا نراهم ناجحين في أعمالهم الخاصة أو كتاباتهم أو فنهم ولكن الحزب لا يستفيد منهم.

في السنوات، بل العقود الأخيرة، ركز الحزب على ناحيتين في عمله: الأمن والسياسة، فطغيا على ما عداهما. مع أهمية هاتين الناحيتين لدرجة اعتبارهما شرطين ضروريين لتحقيق غاية الحزب، فإنهما ليسا شرطين كافيين لكي نقف عندهما ونقول "كفى الله." الشرط الضروري هو وضع غاية الحزب نصب أعيننا وبناء الطاقات والإمكانيات والموارد للوصول إلى أكبر عدد من السوريين. ولا يصبح هذا الشرط كافيًا إلا حين يردد السوريون في غرب سورية وشمالها هتافهم، تحي سورية، فيجاوبهم السوريون في شرقها والجنوب بالتحية نفسها.

تحي سورية