المسألة الطائفية في لبنان

ظاهرة إجتماعية أم حالة إدمان؟

 

                                                                  د. عاطف عطية
 

من الملاحظ أن البحث في مسألة الطائفية في لبنان، وفي وجوب إلغاء الطائفية السياسية منها ، على وجه الخصوص، يحظى بإهتمام المسؤولين على خطين متناقضين في الوقت نفسه: وجوب مراعتها والأخذ بمنطقها في كل تصرف، أو مسلك ، تدعو إليه حيثيات التعاطي السياسي والإجتماعي في لبنان، ووجوب تقريعها وتأنيبها يصل إلى الذروة في لحظات تفصح عن ضرورة التخلي عنها، وهي اللحظات نفسها التي يصل فيها التوتر الطائفي إلى ذروته.  ويقف هذا التوجه في الحالتين مع خفة هذا التوتر، ويضمحل بإضمحلاله، إلى أن تهجع الطائفية هجعتها المعهودة بإنتظار العودة إلى نشاطها، في  المناسبة التي تستدعي ذلك، بوجه أكثر أنكشافاً، وأكثر حدة، وهكذا ... إلى اللحظة التي لابد فيها من الإنفجار... مفارقة مدهشة توحي بما يشبه الإنفصام !

هذه المفارقة تدعونا للتساؤل عن جدوى الطريقة التي يتم من خلالها التعامل مع المسألة الطائفية في لبنان، وعن النهج الذي تنتهجه، وإلى أي مدى يمكن أن يصل به لبنان واللبنانيون.

الطائفية، في المقام الأول، لاتستوي على السياسة فحسب ، بل هي توجه عام يطول كافة مناحي الحياة، ويتجلى في الممارسة العملية، بدأً من النظر إلى الذات، مروراً بالنظر إلى الآخرين، وصولا إلى تكوين مختلف التصورات الذهنية، والآراء المعلنه وغير المعلنة، والمواقف السياسية، وغير السياسية، التي يجد المرء نفسه في خضمِّها، ولا يستطيع إلا أن يحدد موقفه منها، وموقعة بالنسبة إليها.  وفي كل الظروف ، أرآء ومواقف ومواقع تعود في أصولها إلى منشأ المرء الديني، وإنتمائه الطائفي.  ذلك أن الطائفية تمثل التجليات العملية لذهنية ذاتية تجد أساسها في الإنتماء الديني أولا، والمذهبي- طائفي ثانيا. ولأن الإنتماء الديني ، وبالتالي الطائفي، إنتماء طبيعي كما إجتماعية الإنسان، وكما إسمه وجنسه وإنتمائه العائلي أيضا، فإن تجليات هذه الإنتماءات جميعاً لايمكن أن تكون إلا ذاتية، وإن أرادت الإيحاء بالموضوعية في مواقعها ومواقفها ، وفي آراءها وسلوكها في شتى مناحي الحياة، وليس المنحى السياسي فحسب. وعليه، فإن النهج الموضوعي الذي يتخذ من الواقع أدوات تحليلية من أجل فهمه بأليات حركته، ودينامية متغيراته، وليس من تجليات الطائفية والفكر الطائفي، ليس لأن الطائفية والفكر الطائفي لا يقيمان وزنا للموضوعية في النظر إلى الأمور ولأشياء وإلى السياسة منها، بوجه خاص، بل لأن الموضوعية، وبحكم موقعها – الطائفية والفكر الطائفي – من الموضوعية والوعي الموضوعي لاتعني لهما شيئاً إلا بقدر خدمتها للذاتية وللمنطق الذاتي .

الطائفية والفكر الطائفي معنيان بفئة محددة من الناس ، هي الطائفه بالمعنى الديني. ومعنيان بمصالحها وتوجيهاتها ، ونظرتها إلى الحياة ، وبكيفية ممارستها لشؤونها العملية، وبكيفية الحفاظ على وجهها وعلى قوتها، وعلى ترسيخ هذا الوجود، وتثبيت هذه القوة وزيادتها في مواجهة طائفة أخرى، أو الطوائف الأخرى. والمعنيون بهذه المسائل : وجوه الطائفة ومفكروها والضاربون بسيفها .  وما يعني هؤلاء نابع من ذاتية الطائفة ، ومن نظرتها إلى مواقعها بمواجهة المواقع الأخرى، وبمناقضة معها، وفي أفضل الإحتمالات بمخالفتها بإعتبار أن منطق الأمور الطائفية منطق مناقضة وإختلاف ، كما منطق المواقف والآرء وأنماط السلوك منطق ذاتي لامنطق موضوعي. فكيف يمكن، والحالة هذه، أن يكون منطق الطائفية والطائفيين منطقاً موضوعيا ؟! وكيف لهذا المنطق أن ينظر إلى الموضوعية بغير منظار الذاتية؟! 

إذا كان المنطق الطائفي ذاتيا، وهو كذلك ، بحكم تأسيسة على الإنتماء الطبيعي للإنسان بإجتماعيته الأهلية التي لاترى وعيا خارج وعي قرابة الأهل وإنتمائهم الطبيعي إلى العائلة والعشيره، ومن ثم الطائفة والدين،  فأن المنطق الموضوعي لايمكن أن يتأسس إلا على إنتماء "مصنوع" بالتربية والتعليم والتدريب إلى موقع جامع ومانع ، جامع لمختلف الإنتماءات ولما تثيره هذه الإنتماءات من تناقضات، ومانع لإحتمال تفحرها، يحتويها جميعا ويعبر عنها بتوجه واحد ونظرة واحدة إلى شؤون الحياة بمختلف تجلياتها، وإلى شؤون السياسة، إحدى هذه التجليات، نظرة واحدة لايمكن أن تنشأ إلا بوعي وحدة الإرادة ووحدة المصير وإدراك أهمية تأمين المصلحة المشترك التي يجمع عليها اللبنانيون دون أن يعني ذلك إلغاء الإنتماء الديني أو الطائفي، ودون أن يعني، بالقدرنفسه، إلغاء الإنتماء المناطقي، القرابة والعائلة.

"الصناعة" هذه إنتاج واعي ومدرك لما يجب أن يكون عليه المنتمي إلى الطائفة والمذهب ، أو العائلة أو العشيرة . صناعة تحويل المنتمي بالفطرة والولادة إلى منتمى من جديد لاتنتجه أنماط التربية الأهلية، وهو ( الموطن)  المدرك لحقوقة لواجباته والعالم لما يمكن أن يصيبه في حال التلكؤ والمخالفة.

"والمصنع" الذي تقع عليه مهمة هذا الإنتاج هو الدولة بنظامها السياسي -  الإجتماعي ، بصناعتها التي يمكن أن تحول المجتمع الأهلي إلى مجتمع المواطنين إلى المجتمع المدني .

وهنا يمكن أن نتساءل : هل الدولة في لبنان ، بنظامها السياسي_ الإجتماعي الحالي ، قدرت على تحويل المجتمع اللبناني من حالته الأهلية إلى حالته المدنية ، أو باضعف الأحوال ، قدرت على تحويل الإنسان في لبنان من حالة الفرد في رعية إلى حالة الموطن في المجتمع؟.

إذا كان الجواب بالإيجاب ، كيف يمكن أن نفسر النتيجة التي يؤول إليها الخلاف في أي أمر من أمور الحياة العملية في ممارستنا اليومية ، ولا فرق في هذا الخلاف إذا كان على لعبة رياضية ، أو على موقف سياسي أوثقافي أو إجتماعي ، لأن النتيجة واحدة: إنقسام مدمر حيناً ، وسافر أحياناً كثيرة، على مستوى الإنتماء الديني، وبمنطق الإنتماء نفسه ، على المستوى المذهبي أو الطائفي.

وإذا كان الجواب بالنفي كيف يمكن أن نفهم دعوة المسؤولين من أعلى هرم السلطة إلى أدناه بوجوب إلغاء الطائفية، والطائفية على الخصوص؟ وكيف يمكن أن ننظر إلى خفوت المطالبة بإلغائها ، بعد خفوت حرارة إحدى تجلياتها في حياتنا العملية، وفي ممارستنا اليومية؟.

وحتى وإن صدقت النوايا ، كيف يمكن المطالبة بإلغاء تجليات السياسة في الطائفية ، والإبقاء على ماعدا ذلك من تجليات؟.

وإذا ألغيت طائفية السياسية ، هل تلغى طائفية التوجة السياسي لدى أصحاب الحل والعقد، ولدى "الموطن" العادي؟.

وماهو مصير رجال الدين وحرس طهارته في حال إلغاء طائفية السياسة ؟

ألا يحق لهم ، من بعد ، التعاطي في أمور السياسة؟ وإذا كان الجواب بلى، فبأي صفة يتعاطونها، هل بصفتهم أناساً عاديين وليس بصفتهم رجال دين وكيف يمكن الفصل بين الإنسان بصفته الوظيفية وصفته الإنسانية "الموطنية" ؟ وفي هذ الحالة كيف يمكن الفصل بين الذاتية والموضوعية؟.

وإذا كان الجواب النفي، ماهي الآلية التي تمنع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة ؟ وماذا عن التدخل في الشؤون الأخرى؟!

هذا بالنسبة لرجال الدين وحاملي لواء الدين والمقيمين على شؤونه.  أما بالنسبة للإنسان العادي، فالمسألة أعقد بكثير. إذ كيف يمكن أن يتخلص من طائفية السياسة، ويبقى على طائفية التوجة والسلوك والإنتماء ، والنظرة إلى الآخر ، في الوقت نفسه؟  وكيف يمكن أن يكون موضوعيا في مجال "السياسة" ، وفي الشأن السياسي ، ويبقى ذاتيا في شتى أمور الحياة الأخرى ؟.

هل تعني هذه الجملة من التساؤلات أن نصرف النظر عن إلغاء الطائفية السياسية من باب إما "كل شيء أو لاشيء"؟ أو تذرعا بالقول الذي أصبح مأثوراً "إزالت الطائفية من النفوس قبل النصوص"؟ لنبقى كما نحن ، أو أن نطالب بإلغاء الطائفية ونحن في الوقت نفسه، لانفعل شيئاً لامن حيث تعديل النصوص ولا من حيث تطوير النفوس لتصبح أكثر تقبلاً لمفهوم المواطنية ولتنمية الحس المدني على حساب الحس الطائفي . وفي الحالتين ، نبقى في إطار الأقوال ولا نخطو خطوة واحدة في طريق الأفعال. ولا ننسى أن بشارة الخوري قال عن لبنان إنه  "دولة الطوائف المستقلة والمتعايشة على أرض واحدة" ،  وهو أحد عامودي الميثاق الوطني، ولاننسى أيضا أن رياض الصلح ، وهو العامود الآخر، قال-  ولانزال أيضا في إطار الأقوال - أن إلغاء الطائفية سيكون ساعة مباركة في تاريخ لبنان ، ولم يخصص بالإلغاء الطائفية السياسية. ونحن لانبقى في إطار الأقوال بل نرتد إلى ماهو أمرّْ وأدهى، نرتد إلى موقع المقاومة لكل قرار يمكن أن يساهم في كسر حدة الطائفية ، متسلحين بذرائع شتى متناسبة مع تفسير وتحليل الأسباب المضمرة خلف هذه القرارات.  حتى على مستوى أتفاق الطائف، لم يظهر منه حتى الآن مايمكن أن يخفف من حدة التوجة الطائفي، بل ربما - بدل أن نجزم - العكس هو الصحيح.

وفي كل الأحوال ، النظام السياسي- الإجتماعي في لبنان مؤسس على الطائفية. وأهل الحكم في لبنان هم من إنتاج هذا النظام. وهم المستفيدون من وجوده،  ومن إستمراره.  فهل يعقل، بحكم المنطق الموضوعي أن يتحول الذاتيون في تفكيرهم وفي توجيههم إلى موضوعيين ؟  هل يمكن أن يغير هؤلاء النظام الذي أنتجهم ؟  وبالمنطق نفسه هل يمكن لهؤلاء أن يعملوا على تغيره، أم على حمايته بنور العيون وخفقات القلوب !؟

هل يعني ذلك دعوة إلى الثورة؟  بالطبع لا. لأن الطائفية في لبنان ، وليس الطائفية السياسية وحدها، تمنع قيام الثورة، كما تمنع التغيير الثوري والقسري، بحكم المنطق الذاتي وحده ، وبحكم البعد الحتمي عن المنطق الموضوعي.

الحل الممكن،  وبالنظر نفسه ، يمكن في القوى الضاغطة في المجتمع، من مؤسسات مدنية ونقابات وهيئات إجتماعية وثقافية ، وأحزاب سياسية ، التي يتعين عليها جميعا أن تعمل على جبهتين: الجبهة الممتدة داخل هذه الهيئات من أجل إصدار القوانين المنظمة لنشاطاتها والمانعة بشكل تام وحازم لأي توجه طائفي مهما كان شأنه من أجل تنمية التوجة المواطني السليم بحس مدني واعي ومدرك، مهما كانت الأثمان والتضحيات المدفوعة، والجبهة الممتدة خارج كل من هذه الهيئات من أجل التعاون والتنسيق والتعامل فيما بينها كمؤسسات من جهة، ومع الدولة من جهة ثانية ، عن طريق الضعط ، وبكل الوسائل الديمقراطية المتاحة لإصدار القوانيين التي يمكن أن تدفع بهذا الإتجاه مع المطالبة الدائمة والمستمرة، والنضال لصوغ النظام التربوي والتعليمي والسياسي التدريجي- ولكن بخطى ثابته وواثقة- من أجل إقامة دولة القانون والمؤسسات التي تسودها الحرية والعدالة والديمقراطية خارج إطار المنطق الطائفي . قطع مسافة المئة ميل لابد أن تبدأ بالخطوة الأولى والأفضل أن نبدأ متأخرين من أن  لانبدأ  أبداً.

لا بد من التأكيد أخيراً ، أن الطائفية في لبنان لم تبقى كظاهرة إجتماعية- سياسية ، بل تعدت ذلك بالإهمال والمراوغة والمماطلة إلى حالة مرضية عمت كافة مظاهر الحياة في لبنان، وكادت أن تصل إلى أبعد الناس عن مخاطرها. وبحكم منطق توجهها وسيطرتها على كافة مناحي الحياة، أدخلت الجميع في شراك لعبتها السياسية، أولا، ولاتزال تعمل على إدخال الجميع في توجهها الشمولي.

إنها حالة مرضية أقرب ماتكون من الإنفصام، وتتوغل إلى مايشبة الإدمان. نعرف مخاطرها وندرك ضررها ونمارسها في حياتنا العملية بعد أن إستولت على بنيتنا الذهنية بشكل مضمر حينا ومعلن أحياناً أخرى. ويجدد الحياة في شرايينها من يحس خفوتاً في نبضها لأن في إستمرارها إستمراره وفي حياتها حياته.