The Arab world.

عروبية سعادة ولا عروبيته

جان دايه

ليس الحزب السوري القومي الاجتماعي بعقيدته وزعيمه ورؤسائه ودستوره ونهجه، فوق النقد، لذلك كان من الطبيعي ان يتعرض منذ تأسيسه في العام 1932، لسيل من الانتقادات، كان القليل منها هادئا وموضوعيا، واتسم معظمها بالغضب والظلم. واذا كان نقد غسان الامام في «الشرق الأوسط» حلقة جديدة في السلسلة الطويلة، فهي قطعا لن تكون الاخيرة.

كان الدافع المباشر لغسان لتناول سعادة وحزبه هو مناقشة النواب القوميين الاجتماعيين في الجمهورية السورية لبيان الحكومة، لذلك استهل نقده بمقدمة اكد فيها ان «فتح سيرة السوريين القوميين يفرضه اليوم الموقف المتقدم للحزب داخل مجلس الشعب السوري الذي فند بموضوعية بيان الحكومة الوزاري»، وقد ذكره «بموضوعية» النائب خالد بكداش، وهو يفند بالارقام والوقائع بيانات الحكومات السورية في الخمسينات. كان الشيوعي بكداش يفعل ذلك، فيما كان المحايري ـ عصام ـ النائب يجلس بوقار خلفه صامتا. والمقصود باستعادة المشهد، ان نائب الحزب القومي في الخمسينات كان مواليا وموافقا، سلفا، على بيان الحكومة، غير الخالي من الثغرات. من حق الصحافي استعادة الصور المثيرة كتلك التي اظهر فيها بكداش متكلما والمحايري صامتا، فالاثارة عنصر اساسي في الكتابة الصحافية، شرط ان تكون المعلومة الخاصة بها حقيقية، والواقع ان الصورة صحيحة في جزئها الذي يظهر بكداش خطيبا في المجلس ومركبة في الجزء الباقي، ذلك ان المحايري لم يكن نائبا في الدورة التي فاز فيها بكداش بالنيابة وبالتالي يستحيل وجوده على مقعد نيابي وراء النائب الشيوعي حتى لو كان صامتا.

واتمنى من الامام ان يعود الى محاضر جلسات المجلس النيابي السوري في الخمسينات وهي موجودة في مكتبة جامعة S.O.A.S في لندن ليطلع على مدى حيوية نواب الحزب القومي في المناقشات.

بعد المقدمة، تناول غسان الامام بصورة سريعة عدة مبادئ ومواقف للحزب القومي، جزم فيها بأن سعادة كان معاديا للعروبة وان الحزب فاشي ونازي، اضافة الى اضاءته السريعة على بعض المعلومات الخاصة باغتيال رياض الصلح وعدنان المالكي. وأكتفي هنا بمناقشة بيت القصيد في نقد الامام وهو الخاص بالعروبة.

يقول الكاتب حول عروبة سعادة بالمقارنة مع ثلاثة عروبيين مسيحيين: يختلف سعادة عن عفلق وحبش وقسطنطين زريق في اعتذاره عن قبول عروبة الهلال الخصيب، محاولا استدعاء تاريخ الهلال قبل الاسلام، ليجعل منه عصبية قومية شوفينية. ويعتبر في مكان آخر ان ايديولوجية الحزب القومي ايام سعادة «غريبة عن العروبة والدين» ويستدرك للقول ان الحزب بعد سعادة «راح يعترف رويدا رويدا بعروبة سورية وهلالها، لكنها عروبة مختلفة في خصوصيتها عن غيرها». وتمنى على الحزب «مواصلة المراجعة ونقد الذات لتأكيد انتمائه العربي». وختم مكررا فعل رفضه «لكل قومية تنفي عروبة بلدي الاصغر سورية».

اذا كان المقصود بالعروبة الايمان بالقومية العربية والعمل على تحقيق وحدة الامة العربية، فسعادة ليس عروبيا، ولكن العروبة ليست حكرا على القوميين العرب، يمكنك ان تكون عروبيا من غير ان تعتنق عقيدة عفلق وحبش وزريق تماما، كما بامكانك ان تكون اشتراكيا من غير ان تؤمن بالماركسية. فالعروبي هو ايضا المؤمن بعالم عربي من اجل ايجاد اتحاد هذا العالم ونهضته، وسعادة بهذا المعنى كان عروبيا، لانه لم يكن يكتف بالقول بوحدة الهلال الخصيب على ضوء قوميته السورية، بل قال ايضا بجبهة عربية تكون سورية الطبيعية أحد اركانها. وهل يعتذر عن قبول عروبة الهلال الخصيب من يسطر في صلب دستور حزبه وفي مادة «غاية الحزب وخطته» عبارة تقول بـ«السعي لانشاء جبهة عربية»؟ ويشرح سعادة ايمانه بالعروبة قبل 12 عاما من اعدامه، اي في العام 1937: «ان انشاء جبهة عربية كان ولا يزال هدفا من اهداف الحزب السوري القومي الكبرى، لقد كانت هذه الفكرة تصاحبنا قبل تأسيس الحزب كما تصاحبنا الآن». يضيف سعادة: «ان ايجاد جبهة من الامم العربية تكون سدا ضد المطامع الاجنبية الاستعمارية وقوة يكون لها وزن كبير في اقرار المسائل السياسية الكبرى، هو جزء متمم لغاية الحزب السياسية». ويختم موضحا التكامل بين الوحدة السورية والجبهة العربية: اننا لن نتنازل عن مركزنا في العالم العربي، ولا عن رسالتنا الى العالم الغربي ولكننا نريد قبل كل شيء ان نكون اقوياء في انفسنا لنتمكن من تأدية رسالتنا، يجب على سورية ان تكون قوية بنهضتها القومية لتستطيع القيام بمهمتها الكبرى.

وبخلاف عفلق وحبش وزريق، لم ير مؤلف «نشوء الامم» العالم العربي امة واحدة، بل اربع امم: الهلال الخصيب، الجزيرة العربية، وادي النيل والمغرب العربي الكبير.

وهو هنا يلتقي عقائديا مع اغلبية الاحزاب العربية خصوصا في مصر، القائلة بأمة مصرية وقومية مصرية (لا يوجد حزب واحد في مصر يقول بقومية عربية)، وسياسيا مع الساعين الى الوحدة المغاربية ومجلس التعاون الخليجي.

صحيح ان سعادة استدعى تاريخ الهلال الخصيب قبل الاسلام، ولكن ليس ليجعل منه «عصبية قومية شوفينية»، بل ليوظفه في ورشة نهوض الامة كجزء لا يتجزأ من تاريخها، وللحيلولة دون بروز قوميات ذات منطلق طائفي او اثني او شوفيني. يقول سعادة في المبدأ الاساسي الرابع ان «الامة السورية هي وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي». وفي سياق شرحه للمبدأ يؤكد سعادة «ان القصد من هذا المبدأ ليس رد الامة السورية الى اصل سلالي واحد معين، سامي او آري، بل القصد منه اعطاء الواقع الذي هو النتيجة الاخيرة الحاصلة من تاريخ طويل يشمل جميع الشعوب التي نزلت هذه البلاد وقطنتها واحتكت فيها بعضها ببعض واتصلت وتمازجت منذ عهد اقوام العصر الحجري المتأخر السابقة الكنعانيين في استيطان هذه الارض، الى هؤلاء الاخيرين الى الاموريين والحثيين والاراميين الى الاغريق والرومان والعرب».

وهكذا فالحزب القومي بعد سعادة لم يكن بحاجة لأن يعترف رويدا رويدا بعروبة سورية وهلالها، لان سعادة قد اعترف بها دفعة واحدة، اما اذا كان المقصود الموقف الايجابي للحزب من بعض الاحزاب والانظمة القائلة بالقومية العربية، فهذا شأن سياسي لا عقائدي، بمعنى انه ظرفي تحالفي، فالتحالف السياسي للحزب القومي، ولاي حزب عقائدي آخر، هو المتغير وفق المصالح المشتركة بين الحليفين في حين ان المبادئ والعروبة منها هي الثابت، فالحزب القومي لم يغير بمبادئه حين تحالف في الخمسينات مع النظام الملكي في العراق او نظام كميل شمعون في لبنان رغم الخلاف العقائدي وهو لم يصطدم مع الشيوعيين والقوميين العرب لاسباب عقائدية، بل لاسباب سياسية احد عناوينها الصراع على السلطة، وحين تم تحالفه مع البعثيين في دمشق والشيوعيين والاشتراكيين الجنبلاطيين في بيروت، لم يبدل عقيدته السياسية ولم يطلب منه احد اجراء تغيير او تعديل فيها.

 

Home